حاكموا وزير مالية “المحرومين” ؟!/ بقلم حكمة ابو زيد/الشراع
الشراع 6 كانون اول 2022
نعم، نعم، يجب أن يُحاكم يوسف خليل ، وزير مالية “المحرومين ” ، في شبه الحكومة الميقاتية، بتهمة تعميم الحرمان على اللبنانيين والعاملين في القطاع الخاص اللبناني والاجنبي!!
نعم، نعم، انها شبه حكومة لأن الحكومة الدستورية الفعلية استقالت، دستوريا” وعمليا”، فور انتهاء العملية الانتخابية النيابية في شهر أيار الماضي، وقد قبل استقالتها رئيس الجمهورية ميشال عون ، الذي انتهت ولايته في الاول من شهر تشرين الاول الفائت ، وصارت مهمة شبه الحكومة محصورة “بتصريف الاعمال في نطاقها الضيق” ونقطة على السطر !
ولكن وزير مالية “المحرومين” يوسف خليل نتع اجتهادا” “لا يركب على قوس قزح” باصداره قرارا” يتجاوز كل مفاهيم النطاق الضيق لتصريف الاعمال ، ألزم فيه أصحاب القطاع الخاص بتسجيل الرواتب والاجور التي تدفع بالدولار الاميركي أو بأي عملة أجنبية اخرى ، واقتطاع الضريبة المتوجبة عليها مع مفعول رجعي – كذا – يعود الى الاول من شهر كانون الثاني 2022 بدءا” من شهر تشرين الثانيالماضي؟! يعني على العاملين في القطاع الخاص ان يدفعوا ضريبة متأخرة عن عام كامل مع أنهم كانوا يدفعون الضريبة على رواتبهم طيلة هذا العام حتى قبل أن يتسلموها من صناديق مُشغّليهم!
ان القول بأن الضريبة الجديدة هذه على “الدولار الفريش” عادلة وأنها بهدف الاقتراب من مساواة رواتب القطاع الخاص بالقطاع العام، هو في غير موقعه تبريرا” لقرار وزير المالية. ان المطلوب من السلطة أن تحسّن مداخيل موظفي القطاع العام لا أن تنهش مداخيل موظفي القطاع الخاص لتتساوى مع المداخيل “الشرعية” لموظفي القطاع العام. والطريق الى ذلك هو خفض عديد موظفي القطاع العام قياسا” على عدد السكان والحاجة الحقيقية الى عدد الموظفين بدل حشو الدوائر الرسمية باللالازم والمحاسيب والهتافين والشتامين عند الطلب!
وتبسيطا” للامر لا بد من توضيح تداعيات القرار: على العاملين في القطاع الخاص الذين تقاضوا رواتبهم ، أو بعضها، أن يدفعوا ضريبة عليها بمفعول رجعي منذ أول هذا العام ، اي تشليح كل واحد منهم “ما فيه النصيب” مما تقاضوه سابقا”، حتى ولو كان لم يعد بحوزته اي مبلغ مما قبض لان مترتبات المعيشة وحاجاتها سبقت وزير مالية المحرومين الى الاستيلاء عليها!!
والسؤال : هل ان قرارا” مهما” وخطرا” على الاقتصاد الوطني هو في النطاق الضيق لتصريف الاعمال؟؟ وهل من حق وزير واحد من وزراء شبه الحكومة هذه ان يتخذه ورئيسه وبقية زملائه صم بكم ولا يفقهون ؟! وهل سأل وزير مالية المحرومين أحدا” من مسؤولي الهيئات الاقتصادية رأيه في القرار قبل اتخاذه ، وهذه الهيئات هي معنية بالعمق بنتائجه ومضاعفات تنفيذه؟ّ! طبعا” لا . والدليل التصريحات التي أدلى بها رؤساء هذه الهيئات والمعنيون فيها. وهل فكّر صاحب القرار بردود المستثمرين في القطاع الخاص على قراره؟ وهل ورد في باله أن بعض اصحاب الاستثمارات في القطاع الحاص قد يقفلون مؤسساتهم ويشرّدون موظفيهم وعمالهم على ارصفة البطالة والحرمان وربما الاجرام؟؟ أو ربما انتقلوا الى دولة اخرى .
يا عالم ، أي نوع من البشر يتسلطن على هذا اللبنان “القطعة سما” ويسعى بكل قواه لجعله قطعة من جهنم؟؟ لقد نكبوه بثقل قطاع عام نصف موظفيه يقبضون ولا يعملون، وربعٌ يعمل في خدمة الاسياد الذين عينوهم، ويبقى عبء العمل الجدي والمنضبط والمسؤول من نصيب الربع الذي يعتبر نفسه موظفا” عند رب عمل واحد هو لبنان ، وليس عند أي مرجع آخر! وقد جاء وزير مالية المحرومين يضيف “فوق دَكّة ” الفساد والتجويع والتنفيع والحفر في اساسات الدولة والتسابق الى تطفيش أبنائها منها “شرتوتة” السطو على رواتب موظفي القطاع الخاص وتأمين السيولة “الفريش” لجماعة المنظومة بعدما شربوا حليب بقرة الدولة حتى آخر نقطة.
ولعل الموجع والمقزز في هذا السياق أن تنكتم جميع أصوات ممثلي الشعب ويضربها الخرس ولا يُسمع صوت يتحدث عن هذا القرار المدّمر لانشغالهم جميعا” بمماحكات الورقة البيضاء ولبنان الغد وغيرهما من التسميات الهجينة التي تنقر الآذان في كل جلسة انتخاب رئيس للجمهورية ، مع أن هذه الجلسات هي غير دستورية لأن الدستور نص على جلسة واحدة وعلى دورات متتالية في نطاق هذه الجلسة، بمعنى ان تبقى الجلسة منعقدة حتى لأكثر من يوم، اذا اقتضى الامر، وليس ان تُرفع ثم يُدعى الى جلسة جديدة. وهكذا يكون الحال منه وفيه كما في مجلس النواب كذلك في وزارة المال : “الامر لي” و بلطّوا البحر!!
حكمة أبو زيد
صحافي وكاتب سياسي