أورفا أو الرها مدينة الأنبياء ضمت الى تركيا بموجبب معاهدة لوزان /بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع

الشراع 20 تشرين ثاني 2022

صباح يوم السبت تناولنا فطورنا في الفندق وانطلقنا في طريق العودة للمرور على مدينة أورفة أو الرها حسب إسمها التاريخي وهي مدينة قديمة يتجاوز عمرها 11 ألف عام وتبعد عن ماردين 200كم …. بدأت مزارع القطن والذرة الشاسعة تظهر من حولنا ونحن في فصل الخريف على مساحات كبيرة جدا ويبدو أن هذه المحاصيل الإستراتيجية الصناعية فمحصول الذرة يشحن الى معاصر الزيت وجذوعه وتفله علف للحيوانات أما القطن فالى المحالج والمغازل وبذوره تعصر زيتا .

وصلنا مدينة أورفة بعد ساعتين وبدأنا بزيارة مقام النبي أيوب وبدا لنا البئر الذي طفحت منه الماء واغتسل به النبي أيوب بعدما استجاب الله لدعائه وشفاه من  سقمه مرض الجذام وقد ابتلاه الله به ليختبر صبره على المصائب وبقي مخلصا لله في شكره وعبادته ويذكر أن زوجته راحيمة ) بقيت معه في الكهف تنقل له الماء الشافي من البئر حيث عادت له صحته ورزقه الله بالذرية الصالحة وذلك بعد إقامته في مغارته … قدم لنا الماء المقدس وشربنا منه مع الدعاء بالشفاء من جميع الأسقام .

انتقلنا الى زيارة المغارة التي سكن بها النبي أيوب وزوجته وكان فوقها مقام قبره ، نزلنا إليها للتبرك وقراءة الفاتحة ، ثم انتقلنا الى زياة مجمع مسجد ومقام النبي إبراهيم القريب والمكان الذي أعد لحرقه بالنار والذي تحول الى بركة ماء مليئة بالأسماك المباركة وزرنا بالقرب منها مكان مولده في كهف في بطن الجبل والتلة المجاورة التي شيدت عليها القلعة في القرن الثاني عشر وبناها صلاح الدين الأيوبي .

تقول بعض الحكايات أن النمرود حفيد النبي نوح والملك الشرير والحاكم المشهور بأذاه رأى علامة في النجوم عن قرب ولادة سيدنا ابراهيم الذي سيغتصب العرش منه …قمنا بزيارة المكان الذي تحول الى بحيرة ماء ينبع من أرضيتها وذلك حين قال الله تعالى : ” يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ” فتحولت النار الى ماء ومكان الحرق الى بحيرة والحطب تحول الى سمك يعيش في البحيرة ويحرّم صيده وقد سخر الله الزوار وأطفالهم لكي ينثرون الحبوب والخبز ليطعمونها من حول البحيرة .

كان المجمع يغص بألوف الزائرين وهو على مساحة تزيد عن عشرين ألف مترا مربعا بما في ذلك المقاهي والمطاعم ، تناولنا القهوة والمرطبات في أحد المقاهي التي شيدت حول برك الماء المتعددة … ومن حول المكان انتشرت الأسواق التقليدية الجميلة المسقوفة وقد زرناها للإطلاع واستنشاق عبق المكان الذي يغص بالناس والمحلات التي تبيع كافة أنواع الملبوسات وأنواع المواد الغذائية والمطاعم والمقاهي وكأننا في يوم حشر من شدة الازدحام .

انتقلنا الى الجزء الثاني من المقام الذي ولد فيه نبي الله ابراهيم وهو مغارة في سفح الجبل حيث بقي فيها سبع سنوات هربا من النمرود وكان يشرب من الماء التي تنبع من الكهف وشُيّد من حولها غرفة كمدخل الى المغارة يقوم المؤمنون وأغلبهم من النساء بالدخول الى جوفها لزياة مكان ولادته وانتشر أمام المقام الحمام الزاجل بأعداد كبيرة يتناول الحبوب التي ينثرها له الزوار .

انتقلنا الى مسجد صلاح الدين الأيوبي الذي يبعد قليلا والذي أشرف على بنائه بنفسه في أواخر القرن الثاني عشر عندما استرد أورفة من الصليبيين للمرة الثانية وقد شيد في أعقاب كنيسة بيزنطية تم بناؤها عام 457 م … وتعتبر مدينة شانلي أورفة المدينة التاسعة في تركيا من حيث المساحة وعدد السكان وتقع على الحدود السورية التركية ويتحدث أغلبية سكانها الأصليين العربية  وعراقة المدينة جلب لها أكثر من إسم .

وقد عاشت قديما في ظل الحضارات الأكادية والسومرية والبابلية والآشورية والرومانية والبيزنطية ويسكن المدينة عدة قوميات وهي العربية والكردية والتركية والشركسية وحسب العهد القديم تعتبر أورفة مدينة ميلاد وحياة سيدنا إبراهيم وأيوب .

يبلغ عدد سكان مدينة شانلي أورفة 2115000 مليونين ومئة وخمسة عشر ألف نسمة وهم خليط من العرب والأكراد مع فئة قليلة من الأتراك وكانت الرها وهو إسمها القديم مدينة سريانية مهمة تحتوي على عدد من الكنائس وفي العام 1924 هجرها معظم السكان المسيحيين على يد القوميين الأتراك .

اشتهر إسم أورفة بسبب المكتشفات الأثرية لموقع كوبيلي تبة في محيطها ، وموقعها على الحدود السورية في المنطقة العليا من حوض نهرالفرات والهلال الخصيب كونها يعيش فيها قوميات عرقية متنوعة وتعتبر مدينة أورفا مدينة سورية وقد ضُمت الى تركيا بموجب معاهدة لوزان عام 1923 بين فرنسا وبريطانيا وتركا.

يشكل العرب في تركيا أكثر من سبعة ملايين نسمة من تعداد تركيا الذي يبلغ ثمانون مليون نسمة ويتمركز معظمهم في الأقاليم السورية الشمالية السابقة وخاصة في ماردين وأورفة وعنتاب وكلس ولواء اسكندرون حيث تختلط الثقافات الثلاث العربية والتريكة والكردية .

عبد الهادي محيسن …. كاتب وباحث .