الشرح المختصر لمعنى الشهادتين/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 17 تشرين ثاني 2022

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فاعلم أنه لا إله إلا الله} سورة محمد.

وقال تعالى ايضًا:{محمدٌ رسول الله} سورة الفتح.

لا يكون المرء مسلمًا ولا مؤمنًا ما لم يعتقد معنى الشهادتين وقد كان المؤمنون في الأمم السابقة يؤمنون أنه لا إله إلا الله مع الإيمان بالنبي المرسل إليهم وأما نحن فإن نبي أمتنا هو سيدنا محمدٌ رسول الله، ومن لم يكن مسلمًا وأراد الدخول في دين الإسلام فلا يصح منه الدخول في الإسلام إلا بالشهادتين أو بما يعطي معناهما كأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، أو يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ولو بغير اللغة العربية إذ لم يَرِدْ اشتراط ذلك في القرآن ولا الحديث بل الذي صح في حديث البخاري ومسلم “حتى يشهدوا (أي الناس) أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله” فمن شهد باللغة العربية فقد شهد ومن شهد بغير العربية فقد شهد. وفي صحيح ابن حبَّان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس حين قدموا عليه: “آمركم بأربعٍ الإيمانِ بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله الحديث فلم يشترط اللغة العربية أيضًا. قال الأردبيلي في “الأنوار”: “ويصح الإسلام بجميع اللغات”.فمن أتى بالشهادتين مترجمةً لأي لغةٍ من اللغات بحيث دلت على معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله على الوجه الصحيح صح إسلامه. ولا يُحكم للشخص بالإيمان إلا بالشهادتين أو ما يعطي معناهما باتفاق أهل الحق كما قرَّر ذلك النووي في “شرح صحيح مسلم”. وروى مالكٌ في الموطإِ أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة (أي وجب عليه إعتاق عبدٍ لأمرٍ كان منه) فإن كنت تراها مؤمنةً أعتقتها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟فقالت: نعم. قال: أفتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها. فأفاد الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم للجارية بالإيمان بالشهادتين فالشهادتان هما الأصل الذي يصير بهما الشخص مسلمًا وأفضل عملٍ يؤتاه الإنسان في الدنيا الإيمان بالله ورسوله، ولا تُقبل الأعمال الصالحة بدون الإيمانبالله ورسوله كما دلَّ على ذلك قوله تعالى:{ومن يعمل من الصَّالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرا} سورة النساء. والنقير ثقبٌ صغيرٌ في نواة التمر، والمعنى لا يُظلمون شيئًا ولو قليلًا.وقد قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهادتين في حديثه فدلَّ على أنه لا بد من تقدُّم الإيمان ليكون العمل الصالح صحيحًا، فعن عبد الله بن عمر قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بُني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان” رواه البخاري ومسلم.

المراد بالشهادتين

والمراد بالشهادتين نفي الألوهية عمَّا سوى الله تعالى وإثباتها لله وحده مع الإقرار برسالة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فإذا قال المؤمن: أشهد أن لا إله إلا الله كان المعنى: أعلم وأعتقد وأعترف أن لا معبود بحقٍ إلا اللهوالاعتقادالإذعان أي رضا النفس بالشىء الذي عرفته. وبالتالي فلا بد من الإقرار باللسان والاعتقاد بالقلب فمن أتى بالشهادتين ظاهرًا ليرضي المسلمين وهو في قلبه منافقٌ مكذبٌ للدين فهو كافرٌ عند الله. وقولنا: لا معبود بحقٍ إلا الله ليخرج بذلك منْ عُبِد بدون حقٍ كالشمس والأصنام وغير ذلك مما عبده المشركون من دون الله لأن كل معبودٍ سوى الله هو معبود بغير حق، وهذا المعنى على أحد التفسيرين لقولنا: لا إله إلا الله. قال علم الهدى الماتريدي في “تأويلاته”: “في معنى قوله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله} والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره”. وعلى التفسير الآخر: لا خالق لشىءٍ من الأشياء إلا الله. وهذا التفسير أحسنُ وبه قال الإمام أبو الحسن الأشعري كما ذكره البيهقي في كتاب “الاعتقاد”. ونُقل أيضًا عن الإمام الماتريدي لأن الخالق الذي يُبرز من العدم إلى الوجود هو وحده الذي يستحق أن يُعبَد أي أن يُتذلَّل له نهاية التذلّل وهو الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى:{ومآ أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نُوحي إليه أنه لآ إله إلآ أنا فاعبدون} سورة الأنبياء. والعبادة هي أقصى غاية الخضوع والخشوع كما قال ذلك السبكي في الفتاوى وغيره.

ومعنى “ أشهد أن محمدًا رسول الله أعلم وأعتقد وأعترف أن سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسولُه إلى كافة العالمين من إنسٍ وجنٍ ليؤمنوا به ويتَّبعوه، قال تعالى:{ليكون للعالمين نذيرًا} سورة الفُرقان. ويتضمن الإقرار بشهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإقرار بصحة ما جاء به وبلَّغه عن الله تعالى، فمن ذلك:عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين منكر ونكير والبعث والحشر والقيامة والحساب والثواب والعذاب وغير ذلك مما يكون في القيامة، ومن ذلك ما أخبر به مما يكون بين يدي الساعة من علامات قُرب القيامة، أو ما حصل في الأمم السابقة أو من التحليل والتحريم لبعض أقوال وأفعال العباد، قال تعالى عن نبيه محمد:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} سورة النجم.  

ومن خلال ما تقدَّم يتبين أن الجمع بين الشهادتين ضروريٌ لصحة الإيمان فلا يكفي الاقتصار على الشهادة الأولى دون الثانية لسلامة الدين.  

والحمد لله أولًا وآخرًا.    

مجلة الشراع