ياسر عرفات علنية الحياة وسر الممات /بقلم حسن صبرا/الشراع
77
الشراع 10 تشرين ثاني 2022
بما لم يمر في مسار الحكام العرب ، من كان يشبه منهم مسار ياسر عرفات … فطبيعة القضية الفلسطينية هي حالة متفردة ، لذا من المنطقي ان يكون رمزها خلال اربعة عقود متفرداً ايضاً ، وإلا لما استطاع الاستمرار قائداً فلسطينباً غير مسبوق …كان وما يزال .
نكتب عنه وقد اختلفنا معه كثيراً ، ونعترف اننا مع الإختلاف ، كنا نخطىء في طبيعة دوره ومكانته ، وما زلت اذكر عندما جاءنا المفكر العربي الفلسطيني د احمد صدقي الدجاني ، عام 1980 ليعاتبنا بقوله : انتم تتجاهلون نظاماً عربياً حقيقياً يحكم جزءاً كبيراً من لبنان ، اسمه ابو عمار ، ولا تقيمون اي علاقة معه ، بينما يندفع الناصريون كلهم نحو علاقات شبه اندماجية معه …
حكم ياسر عرفات لبنان ، بالمشاركة مع النظام السوري ، بل بالنقيض ، وبالتقاتل ودائما بين بيوت اللبنانيين ودمائهم ومصالحهم ، لكن يشهد الله ان ياسر عرفات حكم في الجزء الخاص به في لبنان بمنطق الاب ، بينما حكم حافظ الاسد ما تمكن منه بمنطق الجلاد ( كما في سورية ) فضلاً عن ذلك فإن ضباط الاسد وسلطاته نهبت من لبنان عشرات مليارات الدولارات ، بينما كان عشرات الاف اللبنانيين ، ينتظرون آخر كل شهر خلال سبع سنوات على الاقل ، كي تدير رواتب الفلسطينيين وكثير من اللبنانيين الحركة الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية في لبنان !
كانت التجاوزات الفلسطينية تنتهي في معظم الحالات ، بتبويس اللحى والتعويض المادي ، بينما كل تجاوز من امن الاسد كان ينتهي في سجن المزة او فرع فلسطين المشؤوم حتى الآن .
كنا نعتب على ياسر عرفات : كيف يترك هذا الإهمال في المخيمات الفلسطينية حول بيروت وفي الجنوب وفي الشمال ، الذي يحيل حياة الفلسطينيين الى جحيم ، بينما يصرف عرفات وبقية المنظمات ملايين الدولارات شهرياً لكسب الولاء وإثبات الوجود.
كنا نعتب على عرفات بسبب تفريخ الدكاكين الحزبية الناصرية خصوصاً في بيروت ، وكان جوابه لنا في مكتبه في الفاكهاني : يا اخواني انتم الناصريون اكبر قوة في لبنان ، وانا لا استطيع ترككم خارج سيطرتي ، فتشكلون خطراً علي ، خصوصاً اذا ضممتم جيش لبنان العربي الى صفوفكم .
كنا نتنفس بحرية في ظل عرفات ، نعارضه ولا ننتظر عقاباً ، نواجهه فيأخذنا بالاحضان ، كان موهوباً بكسب الاصدقاء ، وموهبة اقوى في جمع المتناقضات وفي اعطاء كل مقام مقال ، ومن الطرائف التي انتشرت عنه ، قول محسن ابراهيم له : يا اخ ابو عمار ارجو ان توقع بالقلم الذي يعني انك موافق ، وهناك قلم آخر توقع به موافقاً لكنك تقصد به امراً آخر!!
وفي صيدا قال له محسن ابراهيم امام جمهور كبير: يا ابو عمار الحركة الوطنية معك بالجملة فلماذا تريدها بالمفرق ؟
لم يعرف اللبنانيون انهم سقطوا ضحايا نظام عربي ، وهو الاكثر شراسة وجشعاً في التعامل معهم ، الا بعد رحيل عرفات من لبنان بتواطؤ اميركي- عربي سوري مع العدو الصهيوني .. لكننا عتبنا على عرفات عندما قال في غزة انه سيجعلها لبنان ثانية ، لأن لبنان الصيغة والرسالة لم يهشم الا تحت سلطته ، فلما استلمه آل الاسد بعده ردد اللبنانيون : رب يوم بكيت منه فلما جاء غيره بكيت عليه !!
اثار استقبال الحرس الفلسطيني لوزير خارجية فرنسا 🇫🇷 كلود شيسون في مطار بيروت الدولي سخط معظم اللبنانيين ، لكن هناك من قرأ الزيارة الفرنسية كأول زيارة لمسؤول اوروبي ، خلال الحرب الاهلية ، واعتبروها فك حصار عن وطنهم ، فلما خاطب شيسون ياسر عرفات بسيدي الرئيس ، ادرك اللبنانيون ان دولتهم ادخلت في غياهب النسيان . وعندما قال عرفات لتقي الدين الصلح: ان صور ليست عندي اغلى من عكا ، اجابه المفكر والسياسي العروبي : يا ابو عمار انت تقارن ارضاً وطنية محررة ..بأرض يحتلها العدو .. ارجوك حافظ على هذه الارض التي تقيم عليها، حتى لا تصبح محتلة فيتعذر عليك تحرير عكا !!
كان عرفات في لبنان اقوى حاكم عربي ، وكانت قوته انه في لبنان حيث الاعلام والثقافة والسياسة والمنابر المؤثرة والاندية والجامعات ، وما زلنا نذكر ان زوج سفير عربي اضطرت للذهاب الى دمشق خلال الاجتياح الصهيوني عام 1982 ، ارسلت من دمشق الى السفير في بيروت المحاصرة ،لائحة طلبات لشراء اغراض ليست موجودة في سورية !!
وعندما غادر عرفات بيروت مكرهاً بعد الاجتياح الصهيوني ، رفض التوجه الى دمشق ، ورست سفينته الفرنسية في ميناءمصري ،قبل ان يتابع الى تونس ، ليقول لنا فيما بعد حيث التقيناه في اليمن : لم يبق في الدنيا من لم يبلغني بالاجتياح الصهيوني ، إلا حافظ الاسد ، بينما ارسل لي عبد الناصر الفريق محمد احمد صادق ليصطحبني من عمان اثناء الحصار عام 1970 .
وما دفع احد ثمن صراع عرفات وحافظ الاسد، كما دفع اللبنانيون من بيروت الى طرابلس فحرب المخيمات .. وقد تتساهل اجهزة امن الاسد في لبنان مع من يتهم بأنه يتعامل مع الموساد ، اما من تتهمه بأنه عرفاتي فمصيره المزة او فرع فلسطين ( انظر كيف حول امن الاسد اسم فلسطين الى حالة إرعاب )
كان عرفات مالىء الدنيا وشاغل الناس في لبنان ، وابى ان يستسلم عندما نفي منه ، فعاد الى الفعل لأنه انسان مجبول بالايجابية ، وكم تعرض للانتقاد عندما وقع اتفاقية اوسلو ، وكان وحده صاحب القرار ، وقراره جعل لفلسطين حضوراً كسلطة ما غيرت لحظة من سلوك الرجل الرئيس والاخ والاب وقائد التنظيم . وهو اول رئيس فلسطيني في تاريخ هذا الوطن ، وما استقر طويلاً في غزة ، لأنه ادرك بمواهب فطنته ان فلسطين ليست على الشاطىء ، بل هي في القلب ، للاشراف على النبض والعروق والافرع والاطراف ويؤلف بين المدن والقرى والعائلات .. وعندما حوصر في رام الله ابى ان يستسلم على الرغم من دعوات ملوك ورؤساء عرب ان زمان اول قد تحول وظل صابراً محاصراً يأكل المرض جسده حتى رحل
وهنا سر الممات بل هو سر القتل ، والشكوك تتعاظم حول مقتله . وبأيدي من ولمصلحة من ؟ غير ان شعب فلسطين وكل احرار ألعالم ، لا ينسون ان ياسر عرفات هو ظاهرة لم تتكرر ، وهو الرمز الفلسطيني الذي رد على سائليه الى اين بعد بيروت : الى فلسطين وقد صدق ياسر عرفات ولو بعد حين !