التيار بعد رئاسة عون: تراجع واهتزازات وخطّ بياني انحداري / خاص- “الشراع” /الشراع 10 تشرين اول 2022

التيار بعد رئاسة عون: تراجع واهتزازات وخطّ بياني انحداري / خاص– “الشراع”

الشراع 10 تشرين اول 2022

بفارغ الصبر ينتظر خصوم الرئيس ميشال عون والمتضررون من عهده انتهاء ولايته في الحادي والثلاثين من الشهر الجاري.

والبعض يقوم بعد الايام والساعات الفاصلة بيننا وبين هذا التاريخ، ويحضر للاحتفال بهذه المناسبة التي يعتبرها سعيدة وبداية الخلاص من عهد وصف من قبل هؤلاء بانه الاسوأ في تاريخ لبنان ، وبأنه كان جهنم حقيقية وفقاً لما كان عون نفسه حذر من الوقوع فيه .

واللافت ان من يتلهفون لحلول ساعة خروج عون ومستشاريه وطبعاًصهره النائب جبران باسيل من قصر بعبدا ليسوا ضمن اصطفاف معين بل من ضمن كل الاصطفافات القائمة في البلد. وقسم من هؤلاء ينتمون الى قوى الثامن من اذار وهو أمر ليس بسر غير شائع في ظل العلاقة المعقدة والشائكة التي جمعت عون مع اطراف عديدة على راسها الرئيس نبيه بري وحركة امل والنائب السابق سليمان فرنجية وتيار المردة .

وباستثناء حزب الله  ربما، فانه ليس هناك بين الاطراف والاحزاب السياسية  اجمالاً من ليس له مشكلة مع عون او مستشاريه  اوصهره جبران باسيل والتيار الوطني الحر. وحتى حزب الله فانه لم يسلم من انتقادات التيار في محطات عديدة لا سيما عندما كان جبران باسيل يطرح توجهات لم يكن الحزب يجدها مناسبة في مسألة ضمان عدم اهتزاز التحالف الواسع الذي يتولى الحزب فيه دور حجر الرحى والساعي دوماً للبحث عن تفاهمات للحؤول دون انفراطه.

وفي المقابل، فان انصار الرئيس عون يتحضرون بدورهم الى تحويل تاريخ انتهاء ولايته الى مناسبة احتفالية .

مناسبة للحديث عما يسمونه انجازات العهد رغم كل الصعوبات التي واجهها وعمليات الاستهداف التي يقولون انها توخت تكبيله و تشويه صورته وصرفه عن تنفيذ مشروعه الاصلاحي والانقاذي.

ومناسبة للقول بان خروج عون من الرئاسة الاولى سيعيده الى صفوف العمل السياسي والشعبي والتنظيمي اقوى مما كان عليه سابقاً سواء لدى توليه سدة الرئاسة او قبلها .

وبين احتفالية خصوم عون واحتفالية انصاره ، ثمة خشية من ان تحصل اشكالات قد تتحول الى صدامات بين التيار الوطني الحر ومنافسيه المسيحيين وعلى رأسهم بالطبع حزب القوات اللبنانية الذي يهتم زعيمه سمير جعجع اليوم بكل تفصيل من شأنه التأثير سلباً على عون وجبران والتيار، والتأثير بالتالي ايجاباً عليه وعلى قاعدة حزبه . مستفيداً من الخط البياني لوضع كل منهما شعبياًوهو خط بياني ظهر في الانتخابات النيابية الاخيرة التي جرت في ايار- مايو الماضي انه تصاعدي بالنسبة للقوات التي زاد عدد نوابها في المجلس النيابي مقابل الخط البياني الانحداري للتيار الذي خسر عدداً من المقاعد النيابية.

وفي دراسة يعدها باحث سياسي حول الساحة المسيحية حاضراً ومستقبلاً بعد انتهاء ولاية عون ، وسيقوم بنشرها في وقت قريب بعد انجازها، فان ما ينتظر التيار الوطني الحر وزعيمه ميشال عون ورئيسه جبران باسيل ، يشبه الى حد كبير ما اصاب حزب الكتائب بعد انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل عام 1988.

وبعد ان كان حزب الكتائب الحزب الابرز والاقوى مسيحياً ومن دون منازع ، ووصل الى حد تحوله الى حزب أمّن لنفسه ما يمكن تسميته الزعامة المسيحية الآحادية ، واستطاع ايصال بشير وامين الجميل الى سدة الرئاسة الاولى ، فان رئاسة الجمهورية كانت بمثابة اللعنة التي اصابته ودفعته الى التراجع على كل المستويات والصعد والميادين ولا سيما سياسياً وشعبياً، قبل ان يتحول اليوم الى حزب يعيش على “امجاد”الماضي اذا صح التعبير والى حزب لا يتجاوز عدد اعضاء كتلته النيابية الثلاثة او الاربعة رغم كل الجهود والمساعي والمحاولات التي يبذلها رئيسه سامي الجميل من اجل تجديده واعادة الزخم الى حضوره ودوره .

واللعنة المشار اليها حسب الدراسة نفسها ، اي الرئاسة الاولى ، حلت او تحل بالتيار اليوم رغم الفارق الكبير بين ظروف هذه المرحلة والظروف التي ادت الى تراجع دور وحضور وقيادة حزب الكتائب للساحة المسيحية. ورغم ان رئاسة الجمهورية اتهمت في عهد عون بانها تحولت الى موقع جهوي لصالح التيار دون سواه على حساب الموقع الاول في الجمهورية اللبنانية الذي يفترض ان يكون موقعاًجامعاً ومحتضناً لكل اللبنانيين بكل اطيافهم وتنوعهم وانتماءاتهم الحزبية والسياسية ، فانها ارتدت سلباً عليه .

والعهد الذي اتهم بانه سخر كل صلاحياته من اجل التيار سواء بالسعي لاقرار قانون انتخاب “اعرج” وطائفي وعلى قياس مرشحيه وعلى رأسهم صهره في دائرة البترون او بالسعي من خلال تعيينات الفئة الاولى الى الامساك بمفاصل الدولة والمؤسسات بما يخدم توجهات التيار فضلاً عن تشبثه باستلام قطاعات معينة على رأسها الكهرباء ، وغيرها من المزايا ، لم يحصد الا التراجع ، والانحسار على اكثر من مستوى وفي غير صعيد دون ان يكون التيار نفسه بمنأى عما اصابه من هزات والدليل ما صدر من قرارات الفصل والاقالة من صفوفه وشملت نواباً سابقين وقياديين وكل من طرح وجهة نظر تتباين او لا تتفق مع رؤى جبران باسيل ومشروعه للامساك بالقرار داخل التيار ومسيحياً ، وصولاً الى  مشروعه الذي لم يتراجع عنه بعد في محاولة منه لخلافة عمه في رئاسة الجمهورية.

والمسألة لم تبدأ مع انطلاق ما سمي بانتفاضة 17 تشرين عام 2019 بل سبقتها ، وبدأت تظهر من خلال كم الخلافات والانقسامات التي سادت البلاد بين عون وفريقه من جهة وبين كل الافرقاء الاخرين وفي مقدمتهم الرئيس سعد الحريري الذي سار بركب التسوية الرئاسية قبل ان يخرج منها بخفي حنين ، والدكتور سمير جعجع الذي سار بدوره بتفاهم معراب على قاعدة ابعاد سليمان فرنجية قبل ان “يندم” بشكل غير معلن على “فعلته” بانتخاب عون ، رافضاً حتى الان على الاقل الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه، في حين ان الاطراف التي سارت بموضوع انتخاب عون دون التصويت له على غرار الرئيس نبيه بري وكتلته ، ثمة الكثير من الروايات التي تحكى عما شاب علاقتها بفريق العهد وقسم منها معروف وليس الان وقت الحديث عن تفاصيلها. وهذا غيض من فيض ما اصاب علاقة التيار بكل الاطراف اللبنانية على اختلافها .

وفي الحديث عن الانجازات التي حققها العهد ليس هناك ما يوازي الكم الهائل من الاخفاقات والنكسات التي اصابت البلاد التي تسبب بها ، سواء لجهة الانهيار الحاصل في كل المجالات والميادين والقطاعات ، او لجهة الاهتزاز الذي اصاب عمل المؤسسات والادرارات العامة او لجهة التراجع الكارثي لقيمة العملة الوطني او لجهة الهجرة الواسعة للطاقات اللبنانية والاجيال الواعدة او  لجهة حالة العزل التي يعيشها لبنان عربياً ودولياً … الخ.

الا ان التحدي الابرز وفقا للدراسة المشار اليها ، هو ما ينتظر التيار شعبياً ، والذي سيجعله امام تحديات استعادة ولو بعض بريقه السابق الذي استوقف في العام 2005 البطريرك السابق نصرالله بطرس صفير الذي قال بعد الانتخابات التي جرت في ذلك العام انه اصبح للمسيحيين زعيم ، بالنظر الى الاصوات الكاسحة التي حاز عليها عون وتياره.

والتحدي الابرز الذي سيواجه التيار الوطني الحر هو عدم التحول الى قوة آفلة مضى عليها الزمن ، وهو ما يفسر ربما الشروط غير المعهودة والمبالغ فيها التي يطرحها جبران باسيل اليوم سواء في موضوع تشكيل الحكومة او في موضوع الاتفاق على مرشح في الانتخابات الرئاسية ، وهي شروط من الفها الى يائها ، لا يراد منها الا الحفاظ على مكاسب التيار في السلطة ومحاولة تعزيز مواقع التيار في المرحلة المقبلة سواء مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية او مع دخول البلاد فترة شغور رئاسي لا احد يستطيع حاليا تحديد مداها الزمني .