هي ليلة يا مكاري.. / بقلم رشيد درباس/الشراع

الشراع 22 آب 2022

مرد هذا العنوان مَثَلٌ شعبي متداول، مفاده أن يخفف السعاة من تعجلهم ويرتاحوا ولو ليلة؛ فالمكاريَ الذي يقود بضاعته في أرجاء البلاد،  إذا حَلَّ الظلام عليه في قرية ما، طلب منه أهلها المبيت عندهم قائلين “هي ليلة يا مكاري”.

والمكاري الفريد ابن أَنْفَة بدأ الترحال صَبيًّا، مسافرًا كلَّ يوم إلى مدرسة الأميركان في طرابلس، يوزع على زملائه والرفاق حباتٍ من مِلح الأنَفَة والتواضع ، وهو مِلْحٌ خشن من بحر كريم..

ومَراوِح عاهدتها الرياح على دوام نفخ الرزق في قنوات الملًّاحات القديمة.

مِلْح فريد له علاماته العميقة، كما يقول المثل، لأنه يتسرب من المذاق إلى النفوس ومن ثَمَّ إلى الدماء، وهو ثمرة قبلات لا تنتهي بين لعاب الشمس ولعبة الأموج التي حملته إلى أميركا يافعًا، فعاد منها مهندسًا، فكان أن لقي ملحه هوًى في نفس من تدرج عمله من حمل أَجْوِلَةِ موالح صيدا على ظهره، إلى حمل لبنان وأهله، فانعقدت علاقة بين الجنوب والشمال،  قطعها ذلك الرابع عشر من شباط، وأعاد وصلها السابع عشر من آب،  بعد شوق تمادى عبر السنين في قلب فريد لرؤية أخيه وحبيبه وصديقه رفيق الحريري.

 عندما قررت آلة القتل اصطياد الوزراء والنواب، عاش فريد مكاري في “فيلا قريطم” التي سكنها رفيق من قبل، فلطالما كانت سكناهما متجاورة في ورشات العمل والوطنية، وعندما استطاع أن يجدد مرجعية ابيه، بصدقه وكفاءته وكرمه وواضح مواقفه، مبتنياً لنفسه حسباً جديداً وهو صاحب الحسب القديم، قرر الخروج من لعبة الانتخابات وهو في ذروة الزعامة، من غير أن يتخلى لحظة عن الرئيس سعد الذي شاركه السراء والضراء، لا سيما عندما رافقا جثمان الراحل حسام من أميركا، بتكليف من الوالد الثاكل.

لم يستقل من السياسة بل ظل في مجراها اليومي، لأن مرجعيته أبت ان تتخلى عنه، فبقي ساحة لقاء يدلف إليها المتخاصمون والمتحابون، وكان راضياً عن نفسه، سعيداً بعائلته فخوراً بنبيل الذي لم يعد في مطارحه الفسيحة  متسع لكتبه، والذي لم يرغب أن يشغل حيزاً في مساحة زعامة وطيدة.

كان صعباً على ابن البحر، أن يقيم طويلاً فوق رابية معتزلة، فباع منزله الجميل، واتخذ من الصخور  تُكَأَة  لتقاعده، وترك لرفيقة عمره مها أن تنظم ذلك الكوخ الخشبي الجميل الذي تقاس إقامته فيه بسحابة ليلة..

فكانت تلك ليلة المكاري الذي لم يطل البقاء فيها.

مجلة الشراع