ولاية “عون” وميقات “الميقاتي”

كتب (عامر أمين أرناؤوط)

لا يختلف اثنان، على أن بداية ولاية الرئيس ميشال عون الدستورية، شابها الكثير من المخالفات، وربما المتعمدة أحياناً.

فأول الغيث إطلاق كلمة “العهد”،على ولايته وهي أي الأولى، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحكم الملوك، والأمراء، بخلاف طبيعة نظامنا الدستورية، على الأقل في الشكل، لا المضمون.

وثانيها، اختطاف مصطلح ” الرئيس القوي”، وإلصاقه بالرئيس عون كمقدمة طبيعية، وربما إلزامية للسطو على حقوق الآخرين، مما يشكل خرقاً لتوازن دفع ثمنه اللبنانيون، عشرات الآلاف من الشهداء، وحرباً ضروساً، انتهت بإنتاج نظام الطائف التوازني، الذي سمح لأول مرة للجميع، أن يكون في قلب معادلة الحكم، وأمَّن لعقودٍ لبنان تحت أجنحة مشروع، ودور إقتصادي تجاوز حدوده، وحتى قدراته، وحجمه، في بعض الأحيان.

هذا الأمر كله،كان واضحاً منذ البداية، في سلوك الرئيس ميشال عون، الذي اختلف مع حلفائه، وخصومه، وحتى مناصريه، فضلاً عن مصادرته قرار الدولة، بتقزيم ممنهج لمقام رئاسة الحكومة، ودورها في ضمان صمام أمان نظامنا المستجد، لتطفو بين الحين والآخر، الدعوات “المريضة”، للعودة إلى نظام الإمتيازات السابق، الذي دفع بالبلاد، إلى اضطرابات متعددة، وقد يأخذه مجدداً إلى ما لا تحمد عقباه.

المشكلة الكبرى، تكمن في التنكر للحقائق، وللتاريخ، فلا ولاية الرئيس ميشال عون، قرأت في كتاب الواقع، وهي بكل تأكيد، قد أضاعت عن عمد نسخة التاريخ منه، التي تذكر بالغابر من أيام سلطته، التي مزقت، وقتلت، وشردت، ودمرت، وأحرقت، ولم تعرف يوماً عنواناً للتنمية والإعمار، اللهم إلا فيما ادعته لنفسها، من إنجازات الآخرين.

مشكلة الرئيس عون، أنه لا يريد الطائف، وقد أقسم عليه رئيساً، ويكره سلطة مجلس الوزراء، وهو الذي يسترئس عليه، لدى حضوره وينكر الرئاسة التشريعية، وقدرتها على خلق التوازن، في البنيان السياسي اللبناني.

فمن أين نأتي له بلبنان، يستطيع أن يعيش فيه؟!!

ربما يعتقد أنصار الرئيس ميشال عون، أنه أكبر من بلده، ولكن الحقائق والتاريخ، أثبتا أنه لا كبير على بلده، ولا أحد فوق مصالح شعبه.

من هنا نقرأ مشكلته، مع رؤساء الحكومات جميعاً في لبنان، في أنه لا يريد للحكم، إلا أن يمر تحت مطرقته.

والحقيقة، أن جميع الرؤساء السابقين، قد أدركوا هذه الحقيقة، لكنهم وتحت سطوة السلاح، والهرب من التعطيل “سايروه”، حتى ظن أن الوقت حان، ليضع يده بالكامل على النظام، وربما يمدد لنفسه، أو يفتح الباب لتعديلات دستورية، تعيدنا عقوداً من الزمن إلى الوراء.

موقف الرئيس ميقاتي اليوم، المدافع عن الجمهورية، في وجه التسلط، والإلغائية يُحسب له كرجل دولة، مدرك تماماً بحسب التاريخ القديم، والحديث، أنه لا يمكن المراهنة على الإصلاح، مع شخصية تمارس الإلغاء، وتبدي الكراهية، وتحاول أن تسطو على كل الصلاحيات.

لا يا فخامة الرئيس الطائف، لم يعطك حق إدارة البلاد، ولا أعطاك الفيتو لتعطيله، بل راهن عليك حكماً وضامناً، لوحدة البلاد وحامياً لدستوره، الذي مزق في ولايتك مرات ومرات.

قدر نجيب ميقاتي، أن يقف سداً في وجه انهيار الهيكل، كما وقف أسلافه من رياض الصلح، وحتى رفيق الحريري.

وقدر هذا الرئيس الطرابلسي، أن يعيد لطرابلس، من جديد دورها في ضبط بوصلة الحكم اللبناني، على الميقات العربي الأصيل، والعروبي النبيل، والحقيقة، والتاريخ، يشهدان أنه لا استقرار للسياسة اللبنانية، وانتظام للحكم فيه، ما لم يكن “السنة” داخل المعادلة، وفي قلب الحوكمة في لبنان.

فلا 1923 أدخلتهم ولا 1943 أرضتهم ولا 1958 أعادتهم ولا 1975 طوعتهم…

فقط 1990 وما بعدها، من إنجازات الطائف، جعلتهم ينتمون للبنان، وليعرف بعدها استقراراً، خصوصاً في السنوات الأولى لاتفاق الطائف، حيث شهد العالم كله بذلك.

“السنة” يا فخامة الرئيس، أمة لا تشعر بخوف الأقليات المريضة، ولا تعيش عزلة الطوائف المارقة، هم أمة تمتد، وتمتد، وتسكن لبنان وطنها، الذي ارتضته مساحة للعيش الواحد، وقبلة ديمقراطية، تؤسس لعصر عربي جديد حر، نراه حولنا ينمو، وينمو، وبكل أسف نحن نرجع القهقرى للوراء.

اليوم، أحد رجالات ولاية الرئيس عون، النائب جورج عطا الله،دعا الرئيس ميقاتي إلى التأدب، ونسي كعادته من لا يرى أمامه، أنه يخاطب رئيسه، والمعبر عن سياسة دولته.

والحقيقة تقول، أن الرد عليه يكسبه أهمية، وهو البيدق في طاولة، من لا يرى، ولا يسمع، ولا يشاهد الحقائق، ولا التاريخ.

قدر الرئيس ميشال عون، أن يبدأ ولايته على “حرير”،ويعيش أيامه الأخيرة على ميقات “الميقاتي”.

بالمناسبة فآل الميقاتي، في العلم الطرابلسي، عُهِد إليهم أمر تحديد الأزمنة، وضبط الميقات، ما أكسبهم خبرة في ضبط سلوك الأفراد، على الميقات الصحيح.

دولة الرئيس نجيب ميقاتي، ربما لا تربطني بك علاقة، وقد تَعجبُ من كلامي، إنما للحقيقة والتاريخ، أقول لك امض في حفظ الدولة وشعبها، فلا الراحل مأسوف عليه، ولا القادم من الأيام بأسوأ، مما مررنا فيه والسلام.