عامِل الناس َكما تحب أن يعاملك الناس / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 9 حزيران 2022

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم وما يُلقَّاهآ إلا الذين صبروا وما يُلقَّاهآ إلا ذو حظٍ عظيم} سورة فُصِّلت.

يُستفاد من الآيتين بوضوحٍ أنه لا تستوي الحسنة ولا السيئة في جلب حب القلوب والعطف فالعاقل هو من دفع السيئة بالحسنة كأن يدفع الغضب بالحلم، والإساءةبالإحسان، والأذى بالعفو حتى يصير الذي سبق أن كان بينك وبينه عداوة كأنه صديق قريب، ولا يؤتى هذه الخَصلَة إلا الذين صبروا على أداء ما أمر اللهواجتناب ما نهى عنه وما يؤتى ذلك إلا صاحب نصيبٍ وافرٍ من الدين.  

ولا شك أن لحسن المعاملة مع الناس أثرًا عظيمًا في القلوب بل إن حُسن المعاملةحصنٌ يقيك من شُرور الآخرين وملاذٌ عظيم كثيرًا ما تأمن فيه من ظلم الظالمين بخلاف المعاملة الخبيثة فإنها تكسبك العداوة والبغضاء وربما نجم عن هذه العداوة مخاطر كثيرة جدًا، بل وتحتاج بعد ذلك إلى الاعتذار وطلب الصَّفح ممن أسأت إليهم بمعاملتك السيئة فتؤول الأمور إلى أن تكون في حالةٍ أنت غنيٌ عنها لو أحسنتَ المعاملة، وكلما اجتنبتَ ما يترتب عليك بسببه أن تستسمح الناس كنت على قدرٍ من حُسن الحال وراحة البال.

المفلس الحقيقي

فعن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ولا تكلَّمنَّ بكلامٍ تعتذر منه غدًا” رواه البيهقي. وهذا يعني أن تنظر فيما أردتَ قوله فإن كنت ترضاه لنفسك لو واجهك أحدٌ به فقله وإلا فاسكت فإنه يؤذي غيرك كما يؤذيك.واعلم أن الاعتناء بأداء ما لزم عليك من حقوق الناس أمانة عظيمة يجب عليك أن تقوم بها على وجهها خشية أن تكون من المفلسين يوم القيامة فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي قد شتم هذا وقَذف هذا (القذف كل كلمة تنسب إنسانًا أو أحد قرابته إلى الزنا) وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار” رواه مسلم.

وكم نرى ونسمع عن خصام بين فلانٍ وفلان ومشاكسةٍ بين المرء وجاره بل واشتباكبالأيدي أو ربما بالسلاح في بعض الأحيان على خلفية معاملة سيئة من أحد الطرفين أو منهما معًا، وإذا ما سعيتَ في إصلاحٍ بينهما ادَّعى كلٌ منهما أنه مظلومٌ ولن يتنازل، وربما تبيَّن لك عند التدقيق أن الاثنين ظلمة ويُكابر بعد ذلك كلٌ منهما فربما أقسم أحدهما على قتل الآخر أو قطيعته أو على التعرُّض له بكذا وكذا انتصارًا لنفسه الأمَّارة بالسوء. وإذا ما بحثتَ في تفاصيل القضية المستعرة بينهما تجد السبب حظًا من حظوظ النفس وإن غُصت في التفاصيل أكثر فأكثر تجد أن الخصمين إخوة أو أولاد عمٍ أو أبناء خؤولة وترى أن هذا المخاصِم يقبل مثل ما تعرَّض له أو أكثر منه من بعض أصحاب النفوذ لأجل دنياه بينما لا يُهذِّب نفسه بأن يُحسن معاملة قريبه لأجل آخرته. وربما دافع بعضهم عن نفسه بكلام فاسد فقال: “من كان أكبر منك بيوم كان أعلم منك بسنة” فيرى من خلال هذا المثل الأعوج أنه هو المحق وهو الذي ينبغي أن ينفذ رأيه لأنه أعرف بالمصالح من خصمه لكبر سنه فقط، علمًا أن هذا الكلام ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا  قال به أحدٌ من الأئمة المعتبرين بل هو كلام متضمِّنٌ لمعنى فاسد لا يستقيم، فإن الأفهام والعلوم قسمةٌ من الله ليست بحسب السن،وكم من صغارٍ في أعمارهم فاقوا كبارًا في السن، والتاريخ والواقع يشهدان بذلك، ومن ظن أن العبرة بمجرد السن فذلك من الغرور المهلك، ولو وطَّد كلٌ منا نفسه على معاملة الآخر كما يحب أن يعامله غيره من الناس لما وصلنا إلى مثلهذا الخصام الشديد.

هذِّب نفسك

روى مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فمن أحب أن يُزحزَح عن النار ويُدخَل الجنة فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يُحب أن يؤتى إليه” فإذا كنتَ تحب أن يعاملك الناسُ بمحاسن الأخلاق فعامل أنت الناسَ أيضًا بمثل ذلك فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لن تسعُوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسطُ وجهٍ وحُسنُ خُلقٍ” رواه ابن أبي شيبة.  

ثم إن من الخطر الكبير بل ومن سوء الفهم أن يظن ظانٌّ أن تحسين الأخلاق مع الناس ومراعاة أحوالهم والتعامل معهم بحُسن الأدب ضعفٌ فيُسوِّل له الشيطانذلك ويُريه سوء المعاملة التي هو قائمٌ عليها قوة ورجولة وهذا حال كل جاهل لا يفقه حقائق الأمور ولا يُميِّز بين ما يُصلح النفس وما يُهلكها فإنه لا ينبغي للنفس الأمَّارة بالسوء أن تُعطى كل ما تميل إليه فإنها إن غلبتك قتلتك وإن غلبتها ملكتها، ولهؤلاء نقول:

قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف. وقال أيضًا: {فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم ولو كنتَ فظًّا غليظَ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} سورة آل عمران. فما يمنعك أيّها المغرور أن تترك غرورك وتُجمِّل نفسك بهذه الأخلاق السامية فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتلتزم العفو عمن ظلمك وتجتنب الغلظة فتكون رحيم القلب فينفع الله بك نفعًا عظيمًا ويُجري على يديك الخير ويعود ثوابُ ذلك عليك في آخرتك وماذا يُضيرك لو صبرت على الإخوان ولم تكثر الخصومة فلقد قيل:

إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا                  أخاك فلن تلقى الذي لا تعاتبه

والحمد لله اولًا وآخرًا.    

 

مجلة الشراع