قريش والمعركة بين الحق والباطل قبل الإسلام وبعده / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
126
الشراع 6حزيران 2022
أصاب مكة المكرمة قحط شديد وغلاء مهلك وحاجة فاقمة كادت أن تقضي على أهل مكة قاطبة ، لولا أن مَنّ الله تعالى على العباد بالإنقاذعلى يد عبد صالح من عبيده الأتقياء فألهمه بالسفر الى بلاد الشام وعقد مع واليها عهدا وميثاقا ، وجاءهم بما يحتاجون إليه من غذاء وكساء وهو عمرو العلا الملقب بهاشم جد النبي محمد – ص .
فلما رأى عمرو العلا ما أصاب أهل مكة من الفقر والفاقة والجوع والحاجة ، أخذ جميع ما يملك من مال وسافر ليلا بدون أن يشعر به أحد الى بلاد الشام فعقد مع واليها وثاقا ، تعهد فيه على حماية التجارة والقوافل بين الشام والحجاز وأعطى على نفسه كفالة بذلك ، ورجع من الشام بالجمال المحملة من كل ما يحتاج إليه أهل مكة المكرمة .
افتقد أهل مكة في صبيحة يومهم راعيهم وكفيلهم الرؤوف العطوف الذي تعودوا في كل يوم وليلة أن يدخلوا بابه المفتوح ويجلسوا على مائدته المبذولة للقاصي والداني والبعيد والقريب ، فلم يجدوا له أثرا ولم يعرفوا له خبرا واشتد الجوع وزادت الحيرة على فقد الزعيم والعميد .
وفي صبيحة يوم من الأيام أطلت قافلة العميد ترفل بالأحمال الثقيلة والحوائج الثمينة ، يتقدمها عمرو العلا – هاشم أبو المكارم والجود وكافل الأرامل والمساكين ومطعم الجائع ومعطي المحتاجين فتهللت وجوه أهل مكة قاطبة وامتلأت نفوسهم فرحا وسرورا ، إلا وجها واحدا أصابه الكمدوالإكفهرار وقطب حاجبه وظهرت عليه آثار الإنزعاج ، وكأنه طعن بخنجر مسموم في فؤاده فتفرس فيه القوم فإذا هو أمية بن عبد شمس جد أبو سفيان الذي جعل يغلي بنار الحقد والحسد ولم يقدر على إخفاء ذلك حتى بدا لكل من ينظر إليه .
وأناخ عمرو العلا – هاشم – جماله وحط أحمالها وأمر فورا بنحر بعضها وإشعال النار وجعل يفرق المآكل والملابس على المحتاجين والمعوزين بدون أدنى ثمن أو مقابل ، وجعل كذلك يهشم اللحم بيديه ويقدمه للجائعين والبائسين ، فصاحوا من كل جانب بصوت واحد حياك الله ياهاشم وزادك شرفا ورفعة وسموا ، واختفى إسمه الأول وأصبح لا يعرف إلا بهذه الصفة الشريفة– هاشم من هشم اللحم ، التي منحها إياه كافة أهل مكة حتى أعدائه وإن كان يؤلمهم ذلك .
وما كاد هاشم إنفاق ما جاء به من الشام حتى هيأ نفسه للرحلة الثانية وتوجه الى اليمن فعقد مع واليها وثاقا كما فعل في الشام وجاء قومه بما يحتاجون إليه من لباس وغذاء ، وأمرهم أن يسافروا للإتجار وهو الكفيل لهم في الأمن والأمان ذهابا وإيابا من كل عدو وجائر فكانت رحلتي الشتاء والصيف ، وهنا زاد الحقد من أمية بن عبد شمس فلم يقو على إخفاء ما يغلي فؤاده من نار الحقد والحسد .
فصارح عمه هاشم بذلك وطلب منه المحاكمة عند من يرتضون بقوله فإما هو يبقى في مكة ويرحل هاشم عنها ، وإما أن يرحل هو ويبقى هاشم فيها فنصحه عمه هاشم وزاد في نصحه فلم يقبل ولم يقنع وكان جوابه الى عمه إنك تخشى أن يكون الحكم عليك والفوز لنا دونك ، ولم يزل أمية يتحدى عمه هاشم حتى ألزمه بالقوة الى التحاكم والمفاضلة بينهما والذي يكون عليه الحكم يرحل عن مكة مدة عشر سنوات لا يحق له الدخول إليها أبدا ، ويدفع خمسين ناقة للمحكوم له ينحرها في مكة للفقراء فتم العهد وأشهدوا على ذلك شهودا .
سافر أمية وهاشم الى الحَكَم الذي اتفقا على قبول حكمه وجلسا أمامه وأظهر كل واحد ما عنده نحو الآخر وفي نهاية الأمر أوقع الحاكم الحكم على أمية وحكم بالحق والفضيلة لهاشم صاحب الفخر والشرف ودفع أمية خمسون ناقة وأمره هاشم بنحرها أمام الملأ وبذلت للفقراء والمساكين وسافر أمية الى بلاد الشام تنفيذا للحكم ومن هنا ظهر التخاصم بين أمية الحاسد وبين عمه هاشم المحمود .
جعل أمية يعد العدة لنيل الثأر من هاشم وأوصى اولاده ان يأخذوا بالثأر إن هو لم يقدر وأدركه الموت قبل أن ينفذ مأربه ، وجاء دور حرب بن أمية وعاصره عبد المطلب بن هاشم وكان التخاصم يقع بين حرب وعبد المطلب ولم يزل الفوز لعبد المطلب على حرب بن أمية ومن بعدهما جاء دور صخر بن حرب المكنى بأبي سفيان الذي كان الخصم اللدود لمحمد رسول الله .