فضل أبي بكرٍ وعمر في القرآن الكريم / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 27 أيار 2022

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملآئكة بعد ذلك ظهير} سورة التحريم.

قال ابن عطية في “المحرر الوجيز” في تفسير وصالح المؤمنين“: “وقال الضحَّاك وابن جبير وعكرمة المراد أبو بكر وعمر ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الماتريدي في تأويلاته: وروي عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وصالح المؤمنين أبو بكرٍ وعمر”.وروى الطبراني في “المعجم الأوسط” عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى وصالح المؤمنين قال: “نزلت في أبي بكرٍ وعمر”.

لقد أكرم الله تعالى بالنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ناسًا كثيرًا هداهم به فأخرجهم من الظلمات إلى النور ورفعهم الإسلام ففاقوا الأقمار والشموس وما زالوا عبر الدهر مصابيحَ هدايةٍ يسترشد بهم الحيارى وسط ظلام الفتن الدَّامس،وجعل الله تعالى في هذه الأمة أفضلَ أولياء البشر على مرِّ الزمان وجعل أفضل َالأولياء قاطبةً أبا بكرٍ الصدِّيق واسمه عبد الله بن أبي قُحافة ثم عمر بن الخطَّاب الفاروق عليهما السلام. ويصح أن نقول: ما طلعت الشمس ولا غربت على أحدٍ من البشر أفضل من أبي بكرٍ وعمر بعد الأنبياء والمرسلين. وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راضٍ فقاما بأمر الدين بعده خير قيام، فقمع الله بأبي بكرٍ فتنةَ المرتدين وما كاد الشر يطل برأسه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حتى اجتثَّه أبو بكرٍ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدَّمه في مرض موته ليؤم المؤمنين في الصلاة فدلَّ على تقدُّمه في الفضل على سائر الصحابة فرضيه الناسُ للخلافة، وآل الأمرُ بعده لسيدنا عمر فسَما بهمته العالية ويسَّر الله تعالى له فنشر الإسلام وأقام منار العدل ونازل أعتى أمبراطوريتين في ذلك الزمان الفرس والروم، ففتح الفتوحات ودانت له البلاد، الشام بكافة أرجائها سوريا والأردن ولبنان وفلسطين وكذلك مصر والعراق وفارس، ورهبته ملوك الدنيا في قصورها وهو في الصحراء يأكل الزيت وينام على التراب ويلبس المرقَّع ويجلس في المسجد بلا حاجبٍ ينظر في شؤون الناس. وقد عرف الصحابةُ ومن بعدهم من المؤمنين إلى يومنا هذا لأبي بكرٍ وعمر هذا الفضلَ العظيم الذي لا ينكره إلا جاهلٌ أو معاندٌ وإذا ما قيل في الصحابة الشيخان فهما أبو بكر وعمر وإذا ما قيل العمران حمُل عليهما أيضًا تغليبًا لمدة خلافة عمر على مدة خلافة أبي بكرٍ أي لطول عهد عمر أكثر.

هذا والكلام في فضل الشيخين يطول جدًا وكل من درس التاريخ ووقف على أعمال هذين الصَّحابيين الجليلين الخليفتين مدة حكمهما ونظر في سيرتهما مع النبي صلى الله عليه وسلم عرف بما يقطع الشك باليقين رفعة منزلتهما، ولسنا في وارد الدخول فيما يعُرف بتحليل الشخصية لنستدل على عظمتهما من خلال إنجازاتهما إنما نقتصر في هذا المقال على ذكر بعض ما جاء في كتاب الله مما يدلُّ على فضلهما فإن شهادة القرآن أبلغ الشهادات، ولو أردنا قرنَ ذلك بما جاء في فضلهما في الحديث الشريف وأقوال الصحابة والسلف ومناقبهما العظيمة لطال الكلام جدًا، ومن كان مؤمنًا بالقرآن الكريم فليتأمل ما يلي:

الشيخان الإمامان

قال الله تعالى في سورة التوبة: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} فخصَّ الله تعالى أبا بكر برفقة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ونصَّ على صحبته في كتابه. ونقل السمعاني في تفسيره الإجماع على أن المراد بالصَّاحب أبو بكر. ودلَّ قوله تعالى إن الله معنا مع قوله: {وإن الله لمع المحسنين} سورة العنكبوت على أن أبا بكرٍ من المحسنين أي من أحباب الله قال تعالى: {والله يحب المحسنين} سورة آل عمران. والمعية في قوله إن الله معنا معية الحفظ والنصرة لا المكان فالله لا يحتاج إلى المكان وهو موجود بلا مكان. وجاء عن الإمام علي بن أبي طالب في قوله تعالى: {والذي جآء بالصدق وصدَّق به} سورة الزُّمر أن الذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وسلم والذي صدَّق به أبو بكر كما في “زاد المسير” لابن الجوزي وغيره.  

وقال تعالى: {وسيُجنَّبُها الأتقى الذي يُؤتي ماله يتزكَّىسورة الليل. قال ابن الجوزي في “زاد المسير”: “يعني أبا بكرٍ الصديق في قول جميع المفسرين الذي يؤتي ماله يتزكَّى أي يطلب أن يكون عند الله زاكيًا ولا يطلب الرياء ولا السمعة. وقال تعالى: {أوَمَن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها كذلك زُيَّن للكافرين ما كانوا يعملون} سورة الأنعام. قال السِّمعاني في تفسيره: قوله تعالى “أَوَمن كان ميتًا فأحييناهقال مجاهد: معناه كان ضالًّا فهديناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس أي نور الإسلام يعيش به بين المسلمين. وفيه: “كمن هو في الظلمات أي في ظلمات الشرك لا يخرج منها أبدًا، قال الضَّحاك: هذا في عمر وأبي جهل” أي أن الله جعل لعمر نورًا وهدىً أما أبو جهلٍ فغرق في الظلمات فلا يستوون، وهذا مدحٌ لعمر وذمٌ لأبي جهل وقال تعالى: {قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} سورة الجاثية.ومعنى “يغفروا” هنا يعفو، قال القشيري في “لطائف الإشارات”: “يقال: إن الآية نزلت بسبب أن رجلًا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهمَّ أن يبطش به”.قلتُ وفيها شهادة لعمر بكمال الإيمان.

وبالجملة فأبو بكرٍ وعمر من المهاجرين الأولين السابقين وممن آمن قبل فتح مكة وجاهد في سبيل الله والله تعالى يقول: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنَّاتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ ابدًا ذلك الفوز العظيم}سورة التوبة. وقال تعالى أيضًا: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتلَ أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكُلًّا وعد الله الحُسنى} سورة الحديد. والحسنى الجنة والثواب الحسن كما قال الماتريديفي تأويلاته. فإن قيل: كانا داخلين في هذا التكريم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضلَّا بعد موته عليه السلام. قلنا: يلزم من هذا القول والعياذ بالله أن الله لم يعلم ما يؤول إليه حالهما أو القول بشمول هذا التكريم لضالَّين وهذا باطلأيضًا.

والحمد لله أولًا وآخرًا.  

 

مجلة الشراع