شدة وكَبَد / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 12 أيّار 2022

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {لقد خلقنا الإنسان في كَبَد} سورة البلد.

كم وكم يسعى أناسٌ كثيرون لإصلاح دنياهم بفساد دينهم أو يسعون لإصلاح دنيا غيرهم بفساد دينهم فيعمُرون دنياهم أو دنيا أسيادهم ويغفُلون عن النظر في شؤون أخراهم فيهلكون ويُهلكون. وكم يهتم أحدهم في جمع المال والاستزادة من حطام الدنيا بدعوى الخوف من القادم والتَّحسُّب لما تخبئه الأيام ويريد أن يعيش مطمئن البال وينسى أن الموت يأتي بغتةً وأنه لا يدري متى يفجؤه عزرائيلعليه السلام.

وربما ظن أن الدنيا ستصفو له إن حاز كذا وكذا من مالها ومتاعها وهيهات أن تدوم الدنيا لأحدٍ على حال أو تصفو لأحدٍ كما يُحب. ولكن من أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس وجعل له من كل همٍّ فَرَجًا ومن كل ضِيقٍ مخرجًا، فقد روى القُضاعي في مسنده عن ابن مسعودٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عزَّ وجلَّ قال:

“يا دنيا اخدمي من خدمني (أي أطاعني) وأتعبي يا دنيا من خدمك”.

فمن انصرف إلى الدنيا تعب ولم يشبع وكان كمن يشرب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يموت.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: “يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأَسدُّ فقرك وإلا تفعل ملأت يدَك شُغلًا ولم أسدَّ فقرك” رواه الترمذي.

وكم رأينا من أناسٍ صرفوا أعمارهم وبذلوا أوقاتهم في طاعة الله وفرُّوا من الدنيا فأكرمهم الله وأعزَّهم وجرت الدنيا تطلبُهم فأعرضوا عنها رغبةً في ثواب الله ورضوانه فنالوا الكرامة في الدارين.

وكم رأينا في مقابل ذلك من أهمل أمر دينه تشاغلًا بدنياه فانهمك في الحرام ولم يكتف بما أباح الله له ولم يصبر على الشدة والكرب فجرى عليه الخزي في الدنيا وما ينتظره من الخزي في الآخرة أشد.

شدةٌ إثر شدة

ثم كيف تسلم أيها المنُكب على الدنيا وأنت مخلوق في كَبدٍ ودنياك دار بلاءٍ وامتحان وهي في حقيقة الأمر مزرعة الآخرة، وهذا يعني أنك مدعوٌ فيها إلى الصبر والثبات على المكاره لأن ذلك طريق الفوز في الآخرة فعن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُجبت النارُ بالشهوات وحُجبت الجنةُ بالمكارهمتفقٌ عليهومعناه إنما يُتوصَّل إلى الجنة بالصبر على المكاره فمن أدى الواجباتوصبر عليها واجتنب المحرمات وصبر على تركها وصبر فوق ذلك على ما يدهمه من نوائب الدنيا نال الجنة، ومن لم يكن على هذه الصفة استحق العذاب وأنت على كل حال مجزيٌ بما قدَّمت في دنياك وعُمُر الإنسان لا يسع كل شىءٍ فالعاقل من قدَّم الأهم على المهم.

ولقد قيل:

ولو أنَّا إذا متنا تُركنا                            لكان الموت راحة كل حيِّ

ولكنَّا إذا متنا بُعثنا                            ونُسألُ بعده عن كل شيِّ

فإذا متَّ أيها الإنسان فلا يعني ذلك أنك قد تخلَّصت من مصائب الدنيا وتُركت وانتهى الأمر. ومهما حرصت أن تكون مرتاحًا في دنياك فلن تسلم من شىءٍيُقلقك عادةً، وانظر معي في تأويل الآية أعلاه ترى معنًى عظيمًا فقد أخبر الله تعالى أنه خلق الإنسان في كَبد والكَبَدُ هو الشدة والعناء، قال القرطبي في “تفسيره”: “قال ابن عبَّاسٍ والحسن: في كَبَدٍ أي في شدةٍ ونَصَب”.

ومنه قيل:للكبِد كبِدٌ لأنه دمٌ تغلَّظ واشتد، ويقال: كابدت هذا الأمر أي قاسيت شدته.

قال القُرطبي في “تفسيره”: “قال علماؤنا: أول ما يُكابد قطع سُرَّته ثم إذا قُمِط قماطًا (القِماط ما يُلفُّ به الطفل) وشُدَّ رباطًا يُكابد الضيق والتَّعب ثم يُكابد الارتضاع(الرَّضاع) ولو فاته لضاع ثم يُكابد نبت أسنانه وتحرُّك لسانه، ثم يُكابد الفِطام وهو أشد من اللطام ثم يُكابد الخِتان والأوجاع والأحزان ثم يُكابد المعلم وصولته والمؤدب وسياسته والأستاذ وهيبته، ثم يُكابد شغل التزويج والتعجيل فيه ثم يكابد شُغل الأولاد والخدم والأجناد (أي إن كان من أصحاب ذلك) ثم يكابد شُغل الدور وبناء القُصور ثم الكِبر والهرَم وضعف الركبة والقدم في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها من صُداع الرأس ووجع الأضراس ورَمد العين وغمِّ الدَّين ووجع السنِّ وألم الأذن، ويكابد محنًا في المال والنفس مثل الضرب والحبس ولا يمضي عليه يومٌ إلا ويُقاسي فيه شدة ويكابد فيه مشقة ثم الموت بعد ذلك كله ثم مساءلة الملَك وضغطة القبر وظلمته (وهذا لبعض الناس لا لجميعهم لأن القبر على الأتقياء روضة من رياض الجنة) ثم البعث والعرض على الله (أي حساب الله له) إلى أن يستقرّ به القرار إما في الجنة وإما في النار، فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد، وذلك يدلُّ على أن للإنسان خالقًا دبَّره وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره”.

فانظر أيها القارئ بعين الإنصاف وفكّر بصدقٍ وحضور قلبٍ هل يسلم مما ذُكر أو أكثره أحدٌ من الناس فيما ترى تجد أن الجواب لا ففيم يجعل أحدهم الدنيا أكبر همِّه إذًا؟!

وإنما هذا بعض ما يُكابده الإنسان في أيام دنياه وما زاد على ما صرَّح به القرطبي كثيرٌ، ومهما جَهِد الإنسان في تجنُّب الشدائد لا بد أن يقع في بعضها عادةً وحيث علمتَ هذه الحقيقة فتوقَّع نزول البلاء في كل حينٍ واستعن على كشفه بتقوى الله فإنه لن يدوم بلاءٌ ولا رخاء، ومشيئة الله نافذةٌ ولكن المؤمن إن صبر كان مأجورًا أما إن لم يصبر على الشدة ومدَّ يده إلى الحرام ليُحافظ على النمط الذي اعتاده من أحوال المعيشة فمشيئة الله أيضًا نافذةٌ وكان هو آثمًا، فلا تطلب راحة الدنيا بمشقَّة الآخرة واعلم أن مَن طلب الرَّاحة بالرَّاحة عُدِم الرَّاحة، ولقد قيل:

إني رأيتُ عواقب الدنيا                         فتركتُ ما أهوى لما أخشى

فكَّرت في الدنيا وعالمها                        فإذا جميع أمورها تفنى

ولقد مررت على القُبور فما                    ميَّزت بين العبد والمولى

والحمد لله أولًا وآخرًا.

مجلة الشراع