تهذيب النفس في رمضان../ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 15 نيسان 2022

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرءان هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفُرقان} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا: {وإن ّكلًّا لمّا ليوفينَّهم ربُّك أعمالَهم إنه بما يعملون خبير فاستقم كمآ أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} سورة هود.
يصوم كثيرٌ من الناس في شهر رمضان عن المفطِّرات ويهتمون لتصحيح صيامهم ليكون سالما مما يُفسده وهذا عملٌ جيدٌ ولكنهم يغفُلون عن الاعتناء بتصحيح أعمالٍ أخرى هم مأمورون شرعًا بها كالصلاة والزكاة والصدق والإخلاص والأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الحقوق وغير ذلك، فكم من أناسٍ يصومون ولا يصلُّون علمًا أن الصلاة المفروضة أفضل من الصوم بل هي أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، وكم من أناسٍ يأكلون أموال الناس بالباطل ويدخلون في أفعالٍ وأقوالٍ حرَّمها الله تعالى فهم بين غيبةٍ ونميمةٍ وكذبٍ وبهتانٍ وهضم حقوق الناس وشحناء وبغضاء وقطيعةٍ وبغيٍ، وتراهم يُخاصمون ويُقاتلون لأجل الدنيا ويغرقون في مستنقع الفساد ثم يقول قائلهم إذا ما طالبه صاحب الحق بحقه: “إني صائم” فترى من كان هذا حاله لا ينظر إلا إلى الإمساك عن المفطِّرات ولا ينظر لتحصيل الثواب وصفاء القلب، وكم من أناسٍ يصومون ثم يضجرون ويشتمون ويغضبون ولا يصبرون ولو لممازحة صديق وتضيق أخلاقهم بترك القهوة والسيجارة أو النارجيلة، وحريٌ بهؤلاء عكس ذلك فإن الصوم تهذيبٌ للنفس وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم رمضان “شهر الصبر” كما روى ذلك النسائي وغيره.
بين الصِّحة والقَبُول
وكم من أناسٍ يجهلون فوق ذلك أحكامَ الصوم فلا يصحُّ لأحدهم صومٌ ألبتة لأن بعض المفطِّرات لا تتعلق بالأكل والشرب، فربما فسد صوم أحدهم من غير أن يصل شىءٌ إلى الجوف، فمن المفطِّرات على سبيل المثال: الردة والعياذ بالله وهي قطع الإيمان فمن كان صائمًا ثم ارتد بنوعٍ من أنواع الردة كأن سب الله أو سب دين الله أو استهزأ بالصيام أو الصلاة أو شبَّه الله بمخلوقاته أو رمى المصحف أو أوراق العلوم الشرعية في القاذورات فقد خرج من الإيمان وفسد صومه ولو كان غاضبًا أو مازحًا فيجب عليه الرجوع إلى الإسلام بالشهادتين والإمساك عن المفطِّرات بقية يومه والقضاء بعد العيد فورًا. وقد روى النسائي عن أبي هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر”
وهذا الحديث ينطبق على غير واحدٍ ممن يصوم ويقوم ومن تلك الأصناف الجاهل الذي لا يعرف كيفية صحة الصوم فترى غاية أمره أن يترك الطعام والشراب فقط، ويجهل أن الصوم لا يعني أن تترك ما يتغذَّى به الجسد فحسب من الفجر حتى الغروب ولا يدري كذلك أنه ربما صام ولم ينل شيئًا من الثواب.
فعن أبي هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجةٌ أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخاري. ومعناه لا يحب الله هذا الصيام، أي لا ثواب له ولكنه لا يفطر بذلك. فليس المقصود من الصوم إذًا مجرد الجوع والعطش بل الإصلاح والاستقامة كذلك.
ولمزيد الفائدة نقول: لقد جعل الله للأعمال شروطَ صحةٍ وشروطَ قَبُول فأما شروط الصحة فيترتب على فقدانها عدم صحة العمل أصلًا وأما شروط القَبُول فيصح العمل بدونها ولكن بلا ثواب، وكل ما كان شرطًا للصِّحة هو شرطٌ للقَبُول لا العكس لأنه إذا لم يصح العمل انتفى الثواب، وبناءً عليه ربما أدى بعضهم الفرض أحيانًا من نحو صلاةٍ أو صيامٍ فوقع صحيحًا ولكن من غير ثوابٍ بالمرة، وهذا بحثٌ عريضٌ وبالتالي فينبغي الاعتناءُ بالعمل الصالح أكثر فأكثر، لأنَّ المطلوب تصحيح النية وتصحيح العمل ولا يتأتَّى ذلك على وجهه إلا بطلب العلم، ولذلك ينبغي للصائم أن يتعلم كيف يصح الصوم وكيف يتحقق الثواب. فكم من صائمين لا يصح صومهم أو يصح بلا ثواب وكم من قائمين لا يصح أو لا يُقبل منهم.

اغتنم واعمل
وليعلم المغرور أن الدين ليس بالاستنساب وليس لأحدهم أن يُطبِّق بعضَ ما كلَّفنا الله به ويترك بعضًا وكم من أناسٍ يفعلون ذلك جهلًا أو عنادًا. فعلى العاقل أن ينصاع لكل ما جاء في الشريعة المطهَّرة، فليس الصوم هو العبادة الوحيدة التي شرعها ربنا وليس ترك صوم رمضان بغير عذرٍ هو الذنب الوحيد الذي حذَّر منه نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكننا مع ذلك لا نقول كما يقول بعض الجهلة إذا رأوْا من يصوم ولا يصلي مثلًا أو يصوم ويقترف بعض المحرمات الأخرى: “اترك الصوم أو صومك غير مقبول أو لا ينفعك” أو نحو ذلك من العبارات الفاسدة التي هي ضد الدين، إنما يقال لمن كان هذا حاله: “أدِّ سائر الواجبات كما تؤدي الصوم واجتنب سائر المحرَّمات فكما أُمرنا بالصوم قد أُمرنا أيضًا بعباداتٍ أخرى فتنبَّه لها”. فمن كان ذا خيرٍ قليلٍ وشرٍ كثيرٍ قلنا له أكثِر من الخير واهجر الشر ولا نأمره بترك الخير بالمرة فإن الله تعالى يقول: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} سورة الزلزلة.
وفي هذا الشهر المبارك نقول من باب النصيحة: إن شهر رمضان المبارك هو شهر صفاء الروح والتَّجرّد من الرذائل والتَّحلي بالفضائل وإذا ما كان التاجر يغتنم فُرصَ التجارة وربما ترك الأهل والبلد وسافر بعيدًا لتحصيل عرَضٍ قليل من متاع الدنيا فأولى بأحدنا أن يغتنم شهر رمضان ليُجَمِّل نفسه بما يزينها ويغسلها مما يشينها، فعن محمد بن مسلمةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ لربكم في أيَّامِ دهركم نفحاتٍ فتعرَّضوا لها لعل أحدكم أن تصيبه نفحة لا يشقى بعدها أبدًا” رواه الطبراني. وليس شهرٌ أعظم من شهر رمضان ليغتنم المؤمن نفحاته ومن هنا فإننا ندعو إلى الإقبال في زمن الصوم على أداء جميع الواجبات واجتناب جميع المحرَّمات وتهذيب النفس لتترقى في معارج الفضل.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

 

مجلة ابشراع