من اوراق حسن صبرا / عن مانديلا نتحدث/الشراع
الشراع 25 آذار 2022
عام 1990
كنت وعائلتي ضيوفاً في منزل آخر وزير اعلام في عصر جمال عبد الناصر الاستاذ محمد فائق – اطال الله عمره – وقد اكد صباح يوم الدعوة للغداء ان نحضر باكراً لأنه مضطر للتوجه الى المطار لاستقبال المناضل الافريقي نيلسون مانديلا في اول زيارة له للقاهرة بعد خروجه من سجن العنصرية التي حكمت بلاده جنوبي افريقيا استمر 27 سنة .. بعد وصولنا
حدثني ابو هشام محمد فائق عن آخر لقاء له مع مانديلا عام 1963 في القاهرة فقال : كان لمانديلا موعد مع ألرئيس جمال عبد الناصر وقد توليت ترتيب واعداد هذه الزيارة لمناضل افريقي كبير بصفتي كنت مسؤول مكتب حركة تحرير دول افريقيا المرتبط مباشرةبمكتب الريس .. وقبل موعد استقبال عبد الناصر لمانديلا جاء القاهرة ألرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو في زيارة عاجلة بناء على طلبه فطلب مني الرئيس ان ابلغ مانديلا تأجيل لقائه عدة ايام الى ان يسافر تيتو ..
ابلغت مانديلا – قال لي فائق – بالامر فقال حسناً ، سأتوجه الى جنوبي افريقيا لعدة ايام من اجل مسائل ضرورية ثم اعود بعد ان يغادر تيتو القاهرة.
سافر مانديلا الى جنوبي افريقيا ، لكنه ما ان وصل بلاده حتى اخرجت له السلطات العنصرية مذكرة توقيف بحقه صادرة عام 1961 فتم سجنه لمدة 27 سنة ( بالمناسبة : تعرض سلطات جنوب افريقيا هذه الايام صورة عن هذه المذكرة للبيع بالمزاد العلني بمناسبة مرور 61 سنة على اصدارها ) وعندما خرج الى الحرية كانت مصر هي اول بلد اراد زيارته .
غادرنا محمد فائق الى المطار وبقيت انا وعائلتي نتفقد الحديقة الجميلة التي تحوي نباتات نادرة من معظم بلاد العالم وكان ابو هشام يعتني بها شخصياً وقد الصق على كل قصرية زرع لوحة كتب عليها اسم النبتة ومصدرها وعمرها .
عاد فائق الى المنزل وكانت جاكيتته كأنها خارجة من معصرة فضحكنا جميعاً وقد سألته : ايه يا استاذ محمد انت دخلت في خناقة !؟ فضحك واستأذن ان يغير ملابسه ليشرح لنا ما حدث …. فقال بعد عودته : وصلت المطار وتوجهت الى صالون استقبال كبار الزوار لاستقبال مانديلا فقيل لي ان الطائرة وصلت باكراً والرجل ما زال في الطائرة ولا يريد ان ينزل منها الى ان يتأكد انني موجود في القاهرة وهو كان يعرف ان انور السادات ادخلني السجن عام 1971 في القضية التي افتعلها ضد رجال جمال عبد الناصر والتي اطلق عليها اسم مراكز القوى .
توجهت مع احد الضباط الى الطائرة وما ان شاهدني من كان مع مانديلا من رجاله الذين ظلوا لسنوات في مصر حتى تناوبوا على احتضاني بكل الشوق والحب والاحضان والقبلات والمناداة مستر فايق مستر فايق حتى وصلت الى مانديلا في لحظة لقاء تاريخي تأخر 27 عاماً وقد ابلغني انه قال لضابط في المطار صعد اليه الى الطائرة: انه لن ينزل الى ان يأتي مستر فايق
هكذا عاد الينا ابو هشام وقد تهشمت جاكيتته من الاحضان والشد والجذب من مستقبليه
بالمناسبة : في اول حديث لمانديلا عبر القناة الخامسة الفرنسية : ان الشخص الوحيد الذي كان يتمنى ان يراه بعد خروجه من السجن هو جمال عبد الناصر.. ليعتذر له عن تأخر عودته من بلاده 27 عاماً!!
ليتابع مانديلا قديس المناضلين من اجل افريقيا الحرة الخالية من العنصرية قوله : ان افريقيا كلها تدين لجمال عبد الناصر بحريتها وقد فتح بلاده لمساعدة كل حركات تحريرها من كل اشكال الاستعمار وفتح جامعات مصر لطلابها ليتخرج منها الاطباء والمهندسين واساتذة التعليم العالي ورجال الدين
كانت مصر قبلة افريقيا كلها وما من علم افريقي لدولة مستقلة ارتفع الا وكانت اليد المصرية سباقة الى حمله
الشراع.