عصمة النبي والرد على تحريف الألباني / بقلم الشيخ أسامة السيِّد/الشراع
الشراع 17 آذار 2022
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ووجدك ضالًّا فهدى} سورة الضحى.
لا تزال الحاجة شديدة جدًا إلى تنبيه الناس من الخوض في تأويل القرآن الكريم بغير علمٍ ومدى خطورة ذلك على من أقحم نفسه فيه وعلى أتباعه الذين يصدقونه ويأخذون برأيه ولا يرون لعالمٍ رأيًا أصوب منه، وكم من أناسٍ خالفوا علماء الأمة فحملوا بعض ما جاء في كتاب الله على غير المراد فضلُّوا وأضلُّوا. وحريٌ بنا أن نتذكر ونُذكِّر بقول الله تعالى في سورة البقرة:{يُضلُّ به كثيرًا ويهدي به كثيرا} فإن معنى “يُضلُّ به” أي بالتأويل الفاسد، وكم من الناس هلكوا بذلك، وهؤلاء بعضهم من أدعياء المشيخة وبعضهم حملة شهادات في بعض العلوم ظنُّوا أنهم أهلٌ لاستنباط معاني التنزيل وليتهم وقفوا عند حدِّهم واقتدوا بأفضل أولياء الله أبي بكرٍ الصدِّيق عليه السلام ففي “تفسير القرطبي”: وقال إبراهيم التَّيمي: سُئل أبو بكر الصّديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأبِّ (أي في قوله تعالى: وفاكهةً وأبَّا) فقال: أي سماءٍ تظلني وأي أرضٍ تقلُّني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم”. وإذا ما كان هذا حال الصديق رضي الله عنه مع ما آتاه الله من العلم والفقه والورع وحُسن الصُحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فما بال بعض الناس اليوم يدخلون فيما لا يُحسنون وينسون أنهم يوم القيامة مسؤولون؟!
من مخازي الألباني
وإن من أعجب ما رأيناه من تحريفاتٍ في بعض التأويلات ما أتى به شيخ الوهابية المدعو ناصر الدين الألباني حيث صرَّح بجواز نسبة الضلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففي “فتاوى الألباني” ما نصه: “أنا أقول هؤلاء (يعني المتوسِّلين بالأنبياء والصَّالحين) ولا أتورَّع من أن أسمِّيهم باسمهم هؤلاء ضالون عن الحق ولا إشكال في إطلاق هذا التعبير إسلاميًّا حين أقول إنهم ضالون عن الحق، فإن الله عزَّ وجلَّ أطلق على نبيه عليه السلام أنه حينما كان قبل نزول الوحي عليه يقول “ووجدك ضالًّا فهدى”. قلتُ: معنى كلام الألباني الفاسد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول الوحي ضالًّا كضلال المتوسلين بالأنبياء والصَّالحين بزعمه، وحيث إن الوهابية تُكفِّر من توسل أو استغاث بالأنبياء والصَّالحين فقد جعل الألباني ضلالَ هؤلاء بحسب قوله كضلال النبي صلى الله عليه وسلم بزعمه، ومقتضى ذلك تكفير النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي، وهذا ما أدَّاه إليه فهمه السقيم لمعنى الآية الشريفة. فيا أدعياء السلفية إن جوَّزتم تبعًا لشيخكم الألباني نسبة الضلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعثه الله بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور والذي قال عن نفسه: “وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر” رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مُطعِم، فلماذا تغضبُون إذا ما نسبكم واحدٌ إلى الضلال؟! وهذا شيخكم لا يعرف معنى هذه الآية على ما يوافق ما ذهب إليه علماء الأمة مما لا يتعارض مع عصمة الأنبياء عن الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها، والعجب كيف ساغ له قول هذا وكيف ساغ للوهابية تسميته محدِّثًا بل ودعواهم أنه إمام المحدثين في هذا الزمان والأجدى تسميته مُحْدِثًا (المحْدِثُ المبتدع) لا مُحدِّثًا وحقيقة الأمر كما قال المثل: “قد استسمنت ذا ورمٍ”.
التأويل الحق
ونحن من باب إحقاق الحق والدفاع عن نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم نبيِّن التفسير الحق فنقول:
قال القشيري في “لطائف الإشارات”: “ضالًّا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها بأن عرَّفناك تفاصيلها”. قلتُ: ويؤيد هذا قول الله تعالى في سورة الشورى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} معناه ما تعلم القرآن ولا تفاصيل الأحكام. وقال السَّمعاني في “تفسيره”: “وقوله: “ولا الإيمان” المعروف أن المراد به شرائع الإيمان” أي تفاصيل أحكام الصلاة والزكاة وغيرها لأن طريق معرفة ذلك النقل لا العقل، أما أصل الإيمان بالله وتنزيهه عن مشابهة الحوادث فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا بذلك قبل نزول الوحي بما ألهمه الله وهكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. وفي “البحر المحيط” لأبي حيَّان: “قال ابن عبَّاس: هو ضلاله في صغره في شِعَاب مكة (جمع شِعب وهو الطريق بين الجبال) ثم ردَّه الله إلى جدِّه عبد المطَّلب” أي أضاع طريق جدِّه في صغره فهداه الله إليه. وفيه: “لا يمكن حمله على الضلال الذي يُقابله الهدى لأن الأنبياء معصومون من ذلك”. وفيه: “ولبعض المفسرين فيها بعض ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولقد رأيت في النوم أني أفكر في هذه الجملة فأقول على الفور “ووجدك” أي وجد رهطك ضالًا فهداه بك ثم أقول على حذف مضاف نحو “وسئل القرية” أي كما في قوله تعالى في سورة يوسف: {وسئل القرية التي كنا فيها} أي أهل القرية”.
وقال الماتريدي في “تأويلاته” في معنى قوله تعالى: “ووضعنا عنك وزرك” “ابتداء وضع الوزر أي عصمك وحفظك ما لو لم يكن عصمته إيَّاك لكانت لك أوزار وآثام كقوله “ووجدك ضالًا فهدى” أي لو لم يهدك لوجدك ضالًا لأنه كان بين قومٍ ضلال”. وفيه: “وهو كقوله “ليخرجكم من الظلمات إلى النور” أي عصمكم أن تدخلوا فيها لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم ولكن ابتداء إخراج”. وردَّ الماتريدي في “تفسيره” على من فسره بحقيقة الضلال وقال: “هذا وَخْشٌ من القول إذ لا يليق به أن يُنسب إلى ذلك” والوَخْشُ أي الرديء من كل شىء.
وقال القرطبي في “تفسيره”: “ووجدك ضالًا فهدى” أي لا أحد على دينك فهدى بك”. قلتُ: والعرب تقول في وصف الشجرة إذا كانت منفردةً في الفلاة لا شجر معها ضالة لأنها لانفرادها صارت علامة مميزة يهتدى بها في الطريق وبالتالي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وحده من البشر في الأرض على هذا الدين فهدى الله به الناس. ومثل هذا من التفاسير قاله السيوطي في “الدر المنثور” والزَّجاج في “معاني القرآن” والسمرقندي في “بحر العلوم” وغيرهم.
فانظر أيها القارئ بعين الإنصاف لتعرف كيف يدخُل أدعياء السلفية في تفسير كتاب الله بما يخالف أئمة الهدى لتحذَرَهم.
والحمد لله أولًا وآخرًا.