كتب الاديب الشاعر الأستاذ إبراهيم ديب اسعد //النثر الأدبي عند جبران خليل جبران//
النثريات كالثريات ، تتلألأ رصعاتُها الوامضةُ بين فواصل الجمل، وتتشعشع شذراتُ تراكيبِها راصفةً من نضير المفردات أرقَّ الاسجاع التي تطرب الاسماع وتلين ما غلظ من الطباع ؛فتأخد بمجامع القلوب ،وتتسلل الى تلافيف الدماغ .فتنساب في الجملة العصبية بين الجوارح والحنايا ،تبعثُ ما مات فيك بفعل قهر الحياة وشديد الزمان.
في الكلام المنثور إبداعٌ تمثّل صورًا على صفحات كتاب مسطور، ورقّ منشور ، تومض خلاله المفردات والتعابير، وتتلاحم في وشائج السبك والتراكيب، تُنبيك عن عبقرية كاتب ، وفرادة يراع، وطلاقة بيان ، في اختيار ما يجده تآلفًا وانسجامًا بين المفردات، وفي دقة انتخاب ما يستلمحه من تزواجٍ بين الحروف ،يصوغ منها لؤلؤًا منضودًا، وقلادةً مرصوفة يسلكها في نظام نضيد ، تستروحُ به النفوس، وتطمئن اليه القلوب، وتصفو له الصدور ، وتسرح في فضائه أخيلةُ الشعور ، عند الرواح والبكور.
ومن بين أدبائنا النطوس الذين دانَ لهم البيان واسلس لهم اللجام ، وتطامنتْ لمقامهم المنابر ، وشهدتْ لريشة ابداعهم المحابر تستجدي قرائحَهم وتسترضي أقلامَهم ،كي يحيكوا من نسيجها على صفحات قراطيسهم وكواغدهم صورًا تحاكي قدسَ أقداس الجمال.
من بين هؤلاء الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران.
فما إن سرحتُ ناظري ، وأطلقتُ باصرتي بين تضاعيف كتاباته الا وجدتُني هائمًا في قطيفةٍ زاهيةٍ.
فرحتُ اتنقلُ كالفراشات المتطايرة بين زهور تأرّج عبيرُها وتفتقتْ براعمها ، وظلالٍ امتدّ وريفُها ،وبلابلَ صدحتْ بناغم الالفاظ، وحمائمَ هدلتْ على فنن الابداع والعبقرية .
جبران خليل جبران، فكْرٌ أريحيٌّ ،وعقلٌ لوذعيٌّ ، وقدرةٌ ما توافرتْ لغيره، في اقتناص الالفاظ الاكثر ملاءمةً للمعاني وتطابقًا مع غاياتها، فيُنزلُها حيث يجب ان تكونَ في سياق الكلام دون تقديم او تأخير ، تترابط عضويًا في سبيكةٍ نصية تنتظر الانصهار في بوتقة المسامع والعقول.
انها واحةُ جبران ودوحته الظليلة ، يردها الظامئون ليقيلوا بها اذا اشتدّ عليهم الهجيرُ من خشونة بعض الالفاظ ووعورتها لدى الاخرين. فيطفئ أوام نفوسهم من عذب غديره المتدفق بالمعاني الثرّة التي تلامس حياة الأفراد والمجتمع .
انه جبران خليل جبران ظاهرة الادب الفريدة الذي لم تنجب الأمة حتى يومنا، نظيرًا له .
ابراهيم ديب اسعد