قضايا و خبايا / حكمة أبو زيد/الشراع
الشراع 17 كانون ثاني 2022
قصة المصفاة الثالثة التي لم تكتمل
تنشر “الشراع” هذه القضية من كتاب الصديق حكمة ابو زيد الذي عمل مستشاراً اعلامياً في رئاسة الحكومة اللبنانية لعقود رافق خلالها نحو أربعة عشر رئيس حكومة في لبنان
من المعروف ان مصفاة الزهراني لتكرير النفط كانت تستقبل النفط السعودي الخام الذي ينقل اليها بواسطة الأنابيب. وقد توقف تدفق هذه المادة الى المصفاة، منذ ان احتلت اسرائيل مرتفعات الجولان السورية، عام 1967، حيث يمر قسم من الأنابيب. جاء صائب سلام رئيساً للحكومة عام 1970، وفي فكره مشروع انشاء المصفاة جديدة لتكرير النفط السعودي، الى جانب مصفاة I.P.C التي كانت تكرر النفط العراقي المنقول الى خزانتها في طرابلس.
عيّن سلام في حكومته الثانية، التي خلفت “حكومة المجهولين” الشباب، النائب بيار حلو، وزير دولة لشؤون النفط، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعرف فيها لبنان مثل هذه الحقيبة. أعطى سلام أهمية خاصة لإنشاء المصفاة الثالثة، ورعى بنفسه الدراسات التي طلب من الخبراء إجراءها لتحديد موقع الانشاء، وتقدير الكلفة، وتحديد الجدوى الاقتصادية والمالية منها، وطريقة تمويل عملية التنفيذ الخ..
تقررت زيارة الوزير بيار حلو الى المملكة العربية السعودية على رأس وفد من الخبراء لمناقشة مشروع إنشاء المصفاة الثالثة. طلب مني الرئيس سلام مرافقة الوفد بصفتي “الملحق الصحافي في رئاسة الحكومة” كما ورد في لائحة أعضاء الوفد وصفاتهم، وزودني برسالة خاصة للسيد عمر السقاف الذي كان وزير دولة للشؤون الخارجية، ظهرت مفاعيلها في المعاملة المميزة التي لقيتها من “السيد”، صهر لبنان، والذي توفي في ظروف غامضة، وهو في اميركا بعيد حرب 1973 مع اسرائيل، والتي قطعت السعودية خلالها النفط عن الغرب؟! ثم اغتيل الملك فيصل في ديوانه في الرياض على يد أحد أمراء العائلة المالكة؟!
لاحظنا، منذ الاجتماع الأول مع وزير النفط السعودي، أحمد زكي يماني، برودة جليدية في التعاطي مع الوفد، غريبة على التقاليد السعودية. وتكشفت البرودة عن معارضة صلبة لفكرة إنشاء الصفاة، امتطت صهوة الأفكار الجافة نحوها، والشروط التعجيزية التي تُعرض على الوفد اللبناني، وذلك خلافاً لما كنا قد سمعناه من الرئيس سلام في بيروت وهو يزودنا بتوصياته قبيل سفرنا الى المملكة.
في اليوم الثالث لوصولنا الى الرياض لم أرافق الوفد النفطي الى الاجتماع بالوزير يماني وفريقه، لأني كنت على موعد مع السيد عمر السقاف عقبه غداء الى مائدته وجلسة طويلة مع المدعوين. وعندما عدت الى الفندق عصراً فوجئت بالوزير حلو غاضباً، ومصمماً على وقف المفاوضات والعودة الى بيروت، لأنه “ما عاد ناقص الا يقولولنا حلّو عنا”!! هدّأت ثورته وقلت له: “الصباح رباح.. خليني راجع صائب بك ونشوف شو بيقول”.
أمضينا معظم ذلك الليل، نحن أعضاء الوفد نحلل ونسأل ونستنزف خلفيات الموقف السعودي الجاف في رفضه فكرة إنشاء المصفاة ولكننا لم نتفق على قراءة واحدة ما عدا قراءة الرفض الواضح للعيان.
في الساعة السادسة صباحاً بتوقيت الرياض، الخامسة بتوقيت بيروت اتصلت بالرئيس سلام الذي كنت قد وضعته في أجواء المفاوضات الملبدة فبادرني بالسؤال:
“كيف الطقس عندك”؟
قلت: “عاصف وبارد والوزير حلو مش قادر يحملو..”
سأل: “هل حددوا لكم موعداً؟”
فهمت انه يسأل عن موعد مع الملك فيصل فقلت له “لحد هلق ما في موعد”.
قال: “حكيني بعد نص ساعة”.
عاودت الاتصال به بعد نصف ساعة فأبلغني ان الملك فيصل سيستقبلنا عند الساعة الحادية عشرة، وان كل شيء سيسير على ما يرام.
كانت لبيار حلو علاقة خاصة، مميزة، مع بعض الأمراء السعوديين منهم الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير الرياض، الذي زارنا في الفندق، على غير عادة الأمراء السعوديين، وجالسنا الى مائدة الغداء وتبادل حديثاً حميماً جداً مع الوزير عبّر عن عميق العلاقة بينهما. ولكن بيار حلو لم يفاتح الأمير سلمان بأي شيء عما يعترض المفاوضات التي يجريها مع الوزير يماني!
بعد وقت من انتهاء حديثي الهاتفي مع الرئيس صائب سلام وصل سفير لبنان في المملكة، رشيد فاخوري، شقيق الدكتور اسامة فاخوري، أحد الخصوم السياسيين لسلام، وأخبرنا أن الموعد قد حدد مع الملك فيصل، وان وزير النفط السعودي سيكون حاضراً.
تتصدر صالة الاستقبال في الديوان الملكي “كنبة” تتسع، عادة، لثلاثة أشخاص، يجلس الملك على الجانب الأيمن منها، ويجلس الزائر على الجانب الأيسر وبمحاذاته الذين يرافقونه، حسب أهميتهم ورتبهم ومواقعهم. أما على يمين الملك فيجلس الأمراء والوزراء وكبار القوم من القادة والموظفين وزعماء العشائر. المهم ان كل واحد من هؤلاء يعرف مكانه، ولا بد من ان يشغله حتى لو جاء متأخراً وكان غيره، يشغله. وفي هذه الحالة يتدرج يميناً مقعداً واحداً جميع الجالسين ليأخذ القادم الجديد مكانه المحجوز له، قياساً على عمره وموقعه بين الأمراء، ومنصبه، كما يفرض البروتوكول الملكي الذي لا يجوز لأحد ان يخرقه الا الملك نفسه عندما يريد ان يكرّم شخصاً معيناً.
ونحن في حضرة الملك فيصل، وصل الأمير فهد بن عبدالعزيز، وكان عامذاك وزيراً للداخلية وسلم على الملك، وشغل مقعده الأول الى يمينه، وأخذ الآخرون ينسحبون مقعداً نحو اليمين، ومنهم الوزير احمد زكي يماني، الذي تعثرت قدمه بطاولة صغيرة أمامه فانحنى ليلتقطها فسقط عقاله عن رأسه، فارتبك خجلاً فقال له الملك فيصل مداعباً: “رعاك الله يا أحمد”!
سأل الملك الوزير حلو: “أين وصلتم في المفاوضات معالي الوزير”؟
وقبل ان يجيب بيار حلو قال الوزير يماني: “وصلنا الى مرحلة التفاهم طال عمرك”!!
فاجأنا الجواب، وكان أكثرنا مفاجأة الوزير حلو الذي قال للملك: “طال عمرك ما وصلنا لمطرح.. ونحنا عنا شروط الوزير عم يرفضها..”
كنت الى جانب السفير فاخوري الجالس بعد الوزير حلو فدمدم هامساً: “رحنا بداهية يا حكمة. شروط عالملك”!!
امتص الملك فيصل ما سمعه وسأل: “ما هي شروطك معالي الوزير”؟
قال بيار حلو: “شغوطنا – يعني شروطنا لأنه يلفظ الراء غاء – ان تموّل المملكة المشروع، وان تستوفي ما تدفعه من الأرباح بعد فترة معينة من السماح ودون فائدة..”.
عندما كان بيار حلو يملي “شغوطه” على الملك فيصل، كان السفير فاخوري يحثني على التدخل لترطيب الجو لأنه قرأ الاستغراب في عيني الملك وعلى وجوه الحاضرين، فرأيت انه لا بد من “فرك اذن” البروتوكول لإنقاذ الموقف فتدخلت قائلاَ للملك:
“عفواً طال عمرك. لبنان ما عندو شروط عندو تمنيات. وهذا ما قصده معالي الوزير حلو بكلامو”.
سأل الملك: “مين حضرتك”؟
أجاب السفير فاخوري: “الملحق الصحافي لدولة الرئيس سلام”.
انفرجت الأسارير، وقال الملك للوزير، يماني: “يا احمد اندز – يعني روح – مع الأخوة اللبنانيين وخليك ايجابي مع شروطهن، او تمنياتهن. لبنان عزيز علينا وصائب بك عزيز علينا ولازم نساعد لبنان”.
وأنا أصافحه مودعاً شد الملك فيصل على يدي وقال لي: “سلّم كثير على صائب بك”.
تبدّل جو المفاوضات بنسبة 180 درجة بعد الاجتماع بالملك فيصل، مما جعل معظم أعضاء الوفد يعتقدون ان المصفاة ستنشأ. أما أنا فقد قلت للرئيس سلام ان المصفاة لن تقام ما دام احمد زكي يماني وزيراً للنفط في السعودية. واغتيل الملك فيصل بعد حرب 1973، وترك صائب سلام رئاسة الحكومة، وأٌبعد يماني عن وزارة النفط، ونشبت الحرب في لبنان، وتغيرت الأوضاع والأحوال ولم تنشأ المصفاة الثالثة في شمال لبنان كما كان يحلم ابو تمام.