لبنان في ذكرى 17 تشرين قراءة بين حلم الثورة وصحوتها / بقلم نداء عودة/الشراع

مساحة حرة / ان هذه المساحة متاحة لكل صاحب  رأي وما فيها لا يعبر بالضرورة عن الشراع

مجلة الشراع 18 تشرين أول 2021

كان جُلّ ما جمع شباب وشابات لبنان في السابع عشر من تشرين الأول 2019 هو الشعور بالحاجة للانعتاق  من قيود امعنت السلطة لعقود في ممارستها على المُواطن، حتى بدأ الحال المعيشي ينفاقم ويشد خناقهِ على الناس تدريجياً وصولاً للإنهيار  الإقتصادي وانفلات مؤسسات الدولة.. وللتبخيس في صورة ونوايا الثائرين في الشارع اللبناني، بدأ تسخيف الفكرة دعائياً، كما يجري هذا التسخيف من أبواق السلطة وماكيناتها الاعلامية على اساس أن إنتفاض الناس جاء “بسبب فرض ضريبة على مكالمات الواتس اب”، وليس على زيادة تسعيرة الخبز،، الأمر الذي لكن الأمر لم يكن بهذه السذاجة بالتأكيد، لانّ الكيل كان قد طفح بعد إمعان السلطة في الهروب إلى الأمام عبر الاستمرار في سياساتها الضريبية المتصاعدة بدلاً من البحث عن حلول جدّية واتّباع سياسات اقتصادية منتجة من شأنها إنعاش قطاعات أصابها  الشلل منذ  الحرب الأهلية.

من الطبيعي ان الشعور الأول الذي إعترى المُنتفضين في الشارع اللبناني هو رفض هذا الواقع المعيشي الخانق والمسدود الأفق،  بعد أن تعرّى الإفلاس العام وهبط القطاع المصرفي كقصر من رمال ..  بدأت السلطة تلعب لعبة ال”كشّ ملك” على طاولة الشطرنج اللبنانية.. وبين ترجيح   شعارات على أخرى ك    “يسقط حكم الازعر” أو”يسقط حكم المصرف”، بدأت الإنتفاضة تبدو انها إنتفاضات كلٌّ ذات اولويات مختلفة، وحيناً أصبحت طريق مصرف لبنان المركزي في شارع الحمراء  سالكة وآمنة وعلى وشك ان تُفرش بالورود أمام المتظاهرين… بعكس الطريق الذي كان مفروشاً بالعنف المفرط والرصاص المطاطي أمام المجلس النيابي ومزاريب الهدر  من قطاعات الدولة، وبين الحق على المصرف او  الحقّ عالطليان… ، استطاعت السلطة ان تقضم  غضب الشارع وان تحوّل إنتفاضته إلى زواريب. إذن في لعبة الكشّ ملك ضمن صراع السلطة بين بعضها، كان لا بدّ أن ينقسم الرعايا، حيث لن يتوافد ثوار جلّ الديب، مثلاً، الى أمام المصرف للتظاهر ضدّ الحاكم الماروني بما انه إعتُبرَ خطاً احمر، إنسحبت الخطوط الحُمر على غير زعماء واصبحَ لكل خطه الأحمر، لتتقاسم وسائل الإعلام  هذا الضخّ الاصطفافي، حيث جرى تفكيك شعار “كلن يعني كلن” بما يعني “عدم صحة التعميم” ، بكلام آخر، إستطاع أرباب السلطة ان يُحشد كلّ شارعه على طريقة أنه ضحية الآخر الفاسد الحقيقي….في حين لم تبنِ الانتفاضة قواعد متماسكة لنقد المنظومة الحاكمة بكلّيتها او لم تستطع وللحديث صلة…

ذلك الحين بدأت أشعر أن حلم التغيير بدأ يتحول كابوساً، إستطاع النظام اللبناني بتعقيداته الشديدة التسلّل الى الشارع وبدا اليوم، يعود أقوى مما كان عليه، بدليل، الستاتيكو الطائفي والسياسي  الذي قامت عليه الحكومة الحالية آتية بوجوه من الماضي السحيق إلى الواجهة، في حين وقف شباب وشابات ١٧ تشرين  بالمرصاد لتسميات رؤساء حكومات من المحسوبين على السلطة مثل محمد الصفدي، والذي سُحبت تسميته  حينذاك، لرئاسة الحكومة من التداول تحت ضغط الشارع،هذا الشارع الذي لا بدّ من القول انه استطاع تحقيق انجازات واضحة، أبرزها إرساء  الأطر الحقوقية والديمقراطيّة التي ارتبطت بتاريخ لبنان كواحة للحريات في المنطقة العربية.
في مكانٍ ما من حلم التغيير بدأتُ أرى كل ذلك يتفكّك، وليس ذلك يعني أن الحلم لا يمكنه ان ينبعث مجدّداً في أية فرصة ممكنة، كما إنبعث الأمل مع كل فوز  للقوى المستقلة ضمن الأطر النقابية والطلابية في العامين الأخيرين، لكن لا بدّ من الإلتفات إلى تشرين كثورة مقبلة تعثّرت بكوابيس صيغة النظام الطائفي وذهنية الحرب الأهلية، تلك الذهنية التي لم تستطع مجموعات الثورة تجاوزها وأحياناً لم تحاول لعدة نقاط،
اوّلها استسلام الشارع بشكل عام لفكرة ان التغيير يأتي من فوق إلى تحت، بمعنى تغيير رؤوس، أمر لمسته في الممارسة اليومية وفي مفاهيم الشارع بمجموعاته.. لو آمن هذا الشارع بأن التغيير يأتي من تحت إلى فوق أي من القاعدة إلى الهرم، لكانت الثورة المُقبلة أشرفت على وضع نفسها قيد ان تتحقّق وبشكل تراكمي، السلطة ليست طبقة فوقيّة وإنما طالعة من القاعدة، لم يكن هذا الاستنتاج اكتشافاً صعباً على غوربتشيف في زمن البروسترويكا، الاكتشاف الذي  يتقاطع  مع مع مقولة الإمام علي من أزمنة سبقت “كما تكونون يولّى عليكم”،
لم يكن مهمّاً  للمجموعات المُنتفضة ( ومنها حِزبية  انخرطت في مجموعات الشارع المُنتفض) ان تتجاوز صراعاتها الأهلية الموروثة وتتفق فيما بينها على توحيد شعارات مَطلبية تتعلّق بشؤون الناس ومستقبلهم الاقتصادي والسياسي والديمقراطي، او اقله إنّ تضبط عناصرها الذين لم يتوانوا عن إطلاق شعارات تنكأ جراحاً من زمن الحرب الاهلية مثيرة للاستفزاز أثناء الاعتصام والتظاهر، مثل “لكل عميل حبيب”… ومن حيث هذا التناقض الصارخ في موروث فهم الحرب الأهلية ومسبّباتها وعدم الاتفاق عليه، وانعدام قراءة مسبباته بشكل علمي وموضوعي، كان نقاش هذه الحرب الأهلية ومسبّباتها على المجموعات الثورية عبر”الواتس اب” يفتح كل شرور مذهبية وعنصرية موروثة لهذه  الحرب كما لو كان صندوق باندورا.
والأمر الذي استطاع ان يطلق رصاصةٍ الرحمة على وحدة الشارع ومطالبهِ فكان حتماً قفز  بعض المجموعات في هواء المطالبة بتنفيذ القرار ١٥٥٩.

لم تحاول، وأحياناً حاولت ولم تنجح مجموعات الثورة بما فيها من حقوقيين متنوّرين ان تعمل على التثقيف فيما تعني قِيَم المُواطَنَة، وصار الحديث عن الدولة المدنية خجول التداول.

لم تجتهد هذه المجموعات على التنسيق فيما بينها، وتوحيد رؤيتها المرحلية والاستراتيجية للتغيير وتأجيل النقاشات الخلافية المصيريّة،كالمقاومة والسلاح، والتي لا يمكن أن تُناقش بتعقُّل بين عسف الجوع والانهيار والفوضى.

وبما ان الحالة اللبنانية كما رأيتها عن كثب تحتاج إلى معادلة أخرى في مفهوم التغيير، من تحت إلى فوق، أي من القاعدة إلى القمّة، فإنّ قِيَم المُواطَنَة هي جوهر اية ثورة مقبلة، والاّ سيستحيل الحلم كابوساً على خطّوط  تماس تستنهض آلام الحرب الأهلية ١٩٧٥، كما المأساة التي استنهضت خطّ تماس  الشيّاح، عين الرمانة بعد ٤٦ عاماً.. كان الزمن اللبناني قد تقدّم إلى الخلف  ولكن، منذ أيام معدودة فقط.

نداء عودة.

 

مجلة الشراع