هل الشريعة الإسلامية أمية…. وأنزلت الى أمة أمية / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
مجلة الشراع 10 تشرين أول 2021
يذكر أبو إسحق الشاطبي فقيه غرناطة المتوفي سنة790 هجرية عن سر تلك النظرية العجيبة التي عمدها مؤلف “الموافقات” بإسم أمية الشريعة الإسلامية في كتابه”المقاصد” يسعى الى أن يقيم الدليل على أن هذه الشريعةأمية وما نزلت ألاّ لأمة أمية والسبيل الذي يتوسله الى ذلك هو التمسك بتأويل لفظ الأمي والأميين الذي يتردد ست مرات في أربع سور من القرآن .
وفي ذلك يقول أن هذه الشريعة المباركة أمية لأن أهلها كذلك ، ويدل على ذلك قوله تعالى ” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ” وقوله : ” فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ” … والأمي منسوب الى الأم ، وهوالإنسان الباقي على أصل ولادة الأم فلم يتعلم كتابا ولا غيره فهو على أصل خلقته التي ولد عليها .
وفي الحديث ” نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب ” ونحو قوله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ” وهناك الكثير من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنة الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية لأن أهلها كذلك ، ولا شك أن حديث نحن أمة أمية لانحسب ولا نكتب متواتر وقد رواه مسلم والنسائي .
ولكن السؤال هو : ما مدى نصيبه من القوة والضعف ؟ فإذا أخضعناه لمبدأ النقد الداخلي وهو المنهج الوحيد الذي يقبل به النقد الحديث …. ..فكيف نتصور أن قريشا التي لها وبلسانها كان نزول القرآن هي بمجموعها أمة أمية ؟ لا تكتب ولا تحسب مع أنها أمة سدانة للكعبة وتمتهن التجارة ، وفي الحالتين لا غنى لها عن الكتابة والحساب ، ولو كانت بجماعها أُمةً أمّية فلمن كانت تعلق المعلقات على أسداف الكعبة مكتوبة بماء الذهب .
وإذا كانت بجماعها أمة أمية فمن أين جاء النبي بكتبة الوحي وكتبة المراسلات والتراجمة وإذا كانت بجماعها أمة أمية فلمن نزل القرآن وهي أول المخاطبين به وبإسم القرآن أي القراءة ولماذا كانت كلمة الكتاب واحدة من أكثر الكلمات تواترا في القرآن (نحو 230 مرة) وأخيرا كيف ننسى أن مخاطَبين رئيسيين آخرين بالقرآن كانوا الكتابيين أنفسهم من يهود ونصارى عرب .
إن هذه الأسئلة وغيرها كثير تحيلنا الى لفظ الأمي وتأويله في القرآن ، فالتأويل الذي يأخذ به الشاطبي بتوكيده أن الأمي منسوب الى الأم وهو الباقي على أصل ولادته ولم يتعلم كتابا ولا قراءة ، هو على مايبدو تأويل إسقاطي يأخذ بمعنى كلمة أمي في هذه الأزمنة ليحل محل المعنى الذي كان لها في ذلك الوقت .
وقد أنكر باحثون كثر وفي مقدمتهم المستشرق ماسينيون أن تكون كلمة أمي مشتقة أصلا من الأم فعندهم أنها مشتقة من الأمة ، أما النبي الأمي فهو الذي من أمة أخرى غير أمة الكتابيين من اليهود والنصارى وهم الذين نزلت الآيات الست التي ورد فيها لفظ الأمي والأميين في معرض النقاش معهم ، والجدير بالذكر أنه وجد بين القدامى من المعتزلة وبعض مفكري الشيعة من أنكر تأويل لفظ الأمي القرآني على أنه الجاهل بالقراءة والكتابة .
ومن هؤلاء الشيخ المفيد الذي عقد فصلا من كتابه “أوائل المقالات” للقول أن النبي بعد أن خصه الله بنبوته كان كاملا يحسن الكتابة والقراءة وقد ذهب آخرين من علماء الشيعة ومنهم الطوسي في كتاب المبسوط وكذلك الحلي في كتاب السرائر الى أن الأمي معناه النسبة الى أم القرى مكة وفي حديث ابن عباس أن النبي . ص لما حضرته الوفاة قال وفي البيت رجالا فيهم عمر بن الخطاب ” هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ” فقال عمر إن النبي غلب عليه الوجع وعندكم القرآن … وحسبنا كتاب الله .
وحسبنا من نظرية الشاطبي الغريبة لنكتفي بالقول أن المقدمة التي بنى عليها فرضيته أمية الأمة والنتيجة التي استخلصها أن الشريعة أمية تنشيء إشكالات لاهوتية خطيرة يعجز المنطق أن يجد لها حلا ، فكيف تنسب الأمة نفسها الى شريعة أمية وتنسب الشريعة عينها الى تنزيل إلهي ؟ وإذا كانت الشريعة أمية لأنها موضوعة على وصف أهلها بالأميين فكيف تصلح للأمم غير الأمية ؟ .
ومما جاء في مشروع البيان اللغوي الذي صاغه الشافعي في الرسالة أن الله أنزل القرآن عربيا بمعنى أنه جارٍ على لسان العرب في ألفاظه وأساليبه فعلى الناظر في الشريعة أو المتكلم فيها أن يكون عربيا متعلما أوعارفا بلسان العرب .
وكيف يوسم القرآن (بمعنى القراءة) بأنه أمي أليس هو دعوةالى الأمة التي يخاطبها كيما تتجاوز شرط أميتها وأخيرا إذا كانت الشريعة القرآنية شريعة أمية فماذا يتبقى من دليل إعجاز القرآن وهو دليل ذو طبيعة بلاغية التي هي بلاغة كتابية وبيانية في نفس الوقت .
عبد الهادي محيسن …. كاتب وباحث.
مجلة الشراع