أين الشباب من مُعاذ؟ / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 7 تشرين أول 2021
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضُها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورُسُله ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} سورة الحديد.
بينما كنت أنظر في سيرة الصحابي الجليل معاذ بن جبل في كتاب “أُسد الغابة” لابن الأثير الجزري لفت نظري قدرُ عمره حين مات إذ يذكر ابن الأثير وغيره أن معاذًا توفي سنة ثماني عشرة للهجرة وكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة وقيل: ثلاثًا وثلاثين وقيل: أربعًا وثلاثين. وثارت مشاعر الدهشة في نفسي فتذكرت الآية أعلاه وتلوت بلسان الحال والمقال: “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء” ورحت أقارن بين شباب اليوم وبين إمام عظيم هو معاذ بن جبل تكلُّ الأقلام عن تسطير فضائله ويطمس سواد المحابر بياض الصحائف من طول مناقبه فقد أسلم معاذ وهو ابن ثمانية عشر عامًا وكان من أفضل شباب الأنصار أهل المدينة المنورة حلمًا وحياءً وسخاءً وجمالًا وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
معاذ ٌالإمام
وحسبنا من دلائل عظمته أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيه فعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وأعلمها (أي أمتي) بالحلال والحرام معاذ بن جبل يجيء يوم القيامة أمام العلماء برَتْوة” رواه الطبراني. قال المناوي في “فيض القدير”: “معاذ بن جبل أمام العلماء أي قُدَّامهم يوم القيامة، برتوةٍ أي برمية سهم وقيل بميل وقيل بمد البصر وقيل بدرجة”. وليس معاذٌ في العلماء بالمحل المجهول بل كان من الذين يُفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الحارث بن عمرو عن أناسٍ من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عَرَض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله. قال: فبسنةِ رسولِ الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أُقَصِّر). فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره (صدر معاذ) وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله” رواه أبو داود. وإنما أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا على الاجتهاد بالرأي أي بالقياس على الأصول الواردة في الكتاب والسنة لأن معاذًا بلغ في العلم رتبة المجتهدين أي أمثال الأئمة الأربعة ولم يكن من عوامِّ الناس.
ويذوب قلبك كالشَّهد في صدور الذَّواقة حين تقرأ ما رواه الطبراني عن معاذ قال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: إني لأحبك يا معاذ. فقال: قلتُ وأنا واللهِ أحبك يا رسول الله” الحديث. فانظر بعين البصيرة أي شأنٍ عظيم بلغه هذا الصحابي الشاب ما أهَّله بجدارة أن يكون مقصدًا للطالبين ومؤلًا للمسترشدين ففي “صفة الصفوة” لابن الجوزي عن أبي مسلم الخولاني قال: “أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهولٌ (الكهل من وخَطَه الشيب) من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وإذا شاب فيهم أكحل العين (الأكحل من علا منابت أهدابه سوادٌ من أصل الخلقة) برَّاق الثنايا (الأسنان) كلما اختلفوا في شىءٍ ردوه إلى الفتى (أي رجعوا إليه في السؤال) قال: قلتُ لجليس لي: من هذا. قالوا: هذا معاذ بن جبل”. وفي “صفة الصفوة” عن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له”. ووصفه أبو نُعيمٍ في “الحِلية” فقال: “إمام الفقهاء وكنز العلماء”. وفي “الإصابة” للحافظ ابن حجر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: “عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ”. وحين حضر الموتُ الصحابي الجليل قائد فتوحات الشام أبا عبيدة ابن الجراح جرَّاء إصابته بالطاعون الذي عُرف باسم طاعون عمواس في خلافة أمير المؤمنين عمر استخلف على الناس معاذَ بن جبل فما لبث أن مات بعده بالطاعون أيضًا بناحية الأردن.
أيها الشباب استيقظوا
وأخبار هذا الصحابي الجليل طويلة جدًا واستعراض مآثره مفخرةٌ للأمة ولقد أدرك سيدنا معاذٌ ببصيرته الثاقبة أن الدنيا ممر فهان عليه كل ما يبذله في سبيل سلامة النفس يوم القيامة وكان بحقٍ عاملًا بما دلت عليه الآية أعلاه مسارعًا سبَّاقًا إلى الخير والمكرمات وإن كان مات شابًّا لكنه قد نال من الفضائل ما لم ينله كثيرٌ ممن طالت بهم الأعمار ولنا هنا توجيهٌ للشباب فنحن نرى أكثر الشباب في زماننا قد انصرفوا إلى ما لا خير فيه بل كم نرى منهم من تائهٍ ضائعٍ يميل مع كل ريح لا رأي له ولا فقه عنده وفوق ذلك ترى بعض الأهل يُدافعون عن أولادهم وقد جاوز أبناؤهم الثلاثين وقاربوا الأربعين بدعوى أنهم ما زالوا صغارًا، وإذا ما نصحهم ناصحٌ قالوا مثلًا: العمل كثيرٌ ومتطلبات الحياة تحتاج إلى وقتٍ واسع وترتيب أمور الزواج أشغلتني وكذا وكذا في أمورٍ يطول ذكرها هذا عدا عن افتتان أكثرهم بمشاهير الماجنين بل وافتتان البعض ببعض أعداء الأمة ممن يكيدون للإسلام والمسلمين. ولهؤلاء نقول: برغم أن معاذ بن جبل قد مات شابًّا لكنه وجد ما يترك البعض لأجله اليوم الالتزام الديني فقد تزوَّج وولد له ولم يُقصِّر في حقوق الله ولا في حقوق الخلق، ولقد زهد في الدنيا فأتته الدنيا راغمةً وأقبل على الآخرة فنال ما يتوق إليه الصَّالحون فأين أنتم يا شباب اليوم من هذا الرجل العظيم؟
أين شبابنا من معاذٍ المجاهد في غزوة بدرٍ والثابت في غزوة أحدٍ والمرافق للنبي صلى الله عليه وسلم في كل غزواته؟
أين شبابنا من معاذٍ العلَّامة الإمام الذي يُحشر أمام العلماء يوم القيامة والذي حاز ثقة النبي صلى الله عليه وسلم فكان يُفتي في زمانه وأرسله عليه السلام يقضي في أهل اليمن؟
أين هم من رجلٍ صرَّح له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يُحبُّه بينما تجد أكبر طموح بعضهم اليوم أن تُحبه فلانة وأن يحظى بوصل فلانة؟
وما أكثر ما نتساءل بأين لو أردنا الاسترسال ولكن فيما ذكرناه كفاية للبيب ليراجع حسابات نفسه.
والحمد لله أولًا وآخرًا.