الطبقة السياسية تعّوم نفسها وسقوط شعار “كلن يعني كلن” بعد تدجين الداخل وتليين الخارج / خاص-“الشراع”

مجلة الشراع 27 أيلول 2021

مع تشكيل الحكومة الجديدة ، طرحت تساؤلات عديدة حول موازين القوى الجديدة داخلها وعن الرابحين والخاسرين في المعادلة التي عبرت عنها سواء على مستوى الاكثرية النيابية التي منحتها الثقة او على مستوى باقي القوى التي رفضت المشاركة فيها او تأييدها وتعلن معارضتها لها لاعتبارات تتعلق اساساً بمكاسبها الحزبية او السياسية.

ومع ان ثمة قناعة عامة بان تشكيل الحكومة هو انتصار للبنان ،لكل لبنان بمؤسساته المهددة بالاهتراء وشعبه الغارق معظمه في براثن العوز والجوع ، انطلاقاً من ان الحكومة افضل من الفراغ على مستوى ادارة البلاد ، وانطلاقاً من انها فرصة للحؤول دون الارتطام الكبير كما عبر رئيسها الرئيس نجيب ميقاتي ، فان كل ذلك لا يلغي حقيقة وجود رابحين وخاسرين مما جرى.

واذا كان هناك الكثير مما يمكن ان يقال عن ربحية هذا الطرف وخسارة طرف اخر مقابله،فانه لا بد من القول ان كل الطبقة السياسية على اختلاف اطيافها واحزابها وتوجهاتها، استفادت من المعادلة الجديدة التي جاءت الحكومة لتعّبر عنها، سواء على مستوى الداخل اللبناني والشعبي خصوصاً، اوعلى مستوى الخارج ودوله التي اعادت النظر في حساباتها التي كانت مبنية على ازاحة هذه الطبقة واستبدالها بوجوه وشخصيات ومجموعات معارضة لها.

في الداخل ، لم يسمع احد صرخة جدية معارضة لعملية تشكيل الحكومة .اما التحركات الشعبية المعارضة فقد غابت بشكل لافت، وظهر بوضوح ان همّ اللبنانيين كل اللبنانيين تجاوز مسألة القبول او عدم القبول بالحكومة الجديدةونوعيتها ، وانحصر بالمطالبة بتأمين ابسط المتطلبات التي يحتاجها من كهرباء ومحروقات ودواء وغذاء فضلاً عن الحاجة الى ما يطمئنه ولو بالحد الادنى بعدم تفاقم الامور اكثر فاكثر، وبان ما يعيشه من أزمات قد يرضى به ولو مكرهاً الا ان هذا الوضع السيء يبقى أفضل من الوضع الاكثر سوءاً الذي يخشى من امكانية الوصول اليه في حال لم تتشكل حكومة جديدة باي شكل وباي ثمن .

واذا كان بعض المراقبين يعتبر- وبشكل مبالغ به ربما – بان كل ما جرى ويجري حتى الان كان مدبراً من قبل الطبقة السياسية بكل اطيافها من اجل كسر عملية المطالبة بتغييرها من خلال الشعار الذي رفع ايام انتفاضة او حراك 17 تشرين والذي كانت “الشراع” سمته “الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية” ،وان قمع هذا الحراك وادخال البلاد في ازمات خانقة ومريرة أديا الى اخضاع اللبنانيين وإذلالهم من خلال إفقارهم ودفعهم الى الخنوع عبر طوابير الذل في كل المجالات الحيوية ولاسيما على محطات الوقود او في الصيدليات او امام الافران ،فان خلاصة ما يتحقق لهذه الطبقة السياسية أمن لها عدم الاعتراض على اي محاصصة او معاودة القوى السياسية تعاطيها مع القضايا والملفات بالطريقة نفسها التي كانت أدت سابقاًالى اعتراض شرائح واسعة من اللبنانيين  عليها ودفعتها الى رفع الشعار التغييري :”كلن يعني كلن”.

ومهما قيل في الامر ،فان الحقيقة الماثلة امام الجميع اليوم هو ان الطبقة السياسية باقية بكل وجوهها واطيافها، كما ان التركيبة التي ثارت في وجهها الاحتجاجات على فسادها وهدرها للمال العام واستخدام المؤسسات من اجل مصالحها الضيقة والخاصة ما زالت على حالها، مع اضافة من نوع جديد وهو عدم وجود اي اعتراض مؤثر على الارض وشعبيا عليها، باستثناء بعض الاصوات المشكوك بقدرتها على احداث اي تغيير او تعديل للتركيبة السائدة.

وعلى مستوى الخارج ،فان كل ما ورد في الخطابات السابقة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من عبارات هجومية واتهامية غير مسبوقة ضد سياسيي لبنان، قام كما يبدو بسحبها والتراجع عنها في خطبه الاخيرة، وبدا ان الادارة الفرنسية تراجعت عن كل ما كانت طرحته سواء بالنسبة للدعوة الى تشكيل حكومة اختصاصيين او بالنسبة للوزراء الذين يجب تعيينهم على قاعدة انهم يجب ان يكونوا مستقلين.

وعلى هذا النحو فان حكومة “المهمة” المطلوبة فرنسياًتلبننت من خلال حكومة “معاً للانقاذ”،ولم يعد هناك موانع فرنسية ازاء المحاصصة او الثلث المعطل او تسمية الوزراء من قبل القوى السياسية التي لم يكن ماكرون قد ترك مع وزير خارجيته جان ايف لودريان  مفردة قاسية او تجريحية الا ووجهها لها.

والامر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة , التي لم يعد لها مطالب محددة ومن بينها عدم تسمية وزراء لحزب الله في الحكومة من اجل الموافقة على تشكيلها.

وفي معلومات ل”الشراع” فان اتصالات هاتفية  من قبل مسؤول كبير في الخارجية الاميركية   بعدد من المسؤولين اللبنانيين سبقت  تشكيل الحكومة بساعات قليلة ،وهي الاتصالات التي كانت بمثابة الضوء الاخضر لولادتها كما اعتبرها كثيرون.

وكل ذلك حصل خلافاً لما كان عليه الامر ايام المساعد السابق لوزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنىدافيد شينكر الذي عمد في زيارته الاخيرة قبل اشهر الى لبنان الى عدم الاجتماع باي مسؤول لبناني واكتفى بعقد لقاءات مع مجموعات في المجتمع المدني والتي كانت واشنطن تراهن عليها لاحداث ما تريده من تغيير في بلاد الارز. وهو رهان لم تكن ماضية به من اجل الاصلاح الحقيقي والفعلي في لبنان بل من اجل ضرب او تحجيم كل القوى المعادية لسياساتها في لبنان والمنطقة.

هذا بالنسبة للطبقة السياسية ككل، التي اعادت تعويم نفسها . من دون ان يلغي ذلك وجود حقائق داعمة لها،تتعلق بثبات كل منها في مواقعها سواء عبر محاولات التجييش الطائفي والمذهبي او عبر اقناع كل منها لبيئتها المحسوبة عليها بانها الضامن الوحيد لها حاضراًومستقبلاً،وإن كانت هذه القاعدة لم تعد تسري على شرائح واسعة من النخب المستقلة وعلى الاجيال الجديدة الصاعدة التي يختار القسم الاكبر منها الهجرة من لبنانفي حال تأمنت له والبحث ليس فقط عن موارد العيش  في بلاد المغتربات بل وايضاً عما يضمن لها كرامتها وحريتها وسلامتها في بلاد تحترم القوانين وحقوق الانسان ولا تشترط على الباحث او العالم او الخلاق التبعية والخنوع والاستزلام.

وبصرف النظر عما يمكن ان تنجزه الحكومة ،وهو امر مطلوب بالحاح اليوم من اجل تأمين الحد الادنى من مستلزمات البقاء للبلد كمؤسسات وشعب وحتى ككيان ،اضافة الى النظام السياسي الذي اثبت عجزه في كل المجالات والميادين والصعد، فان لبنان اليوم امام دورة جديدة من اعادة الزمن الى الوراء لانقاذ ما يمكن انقاذه ولو بالحد الادنى ، وهو أمر قد يكون ضرورياً في هذه الفترة العصيبة مع تعذر ما يضمن توفر البدائل في الافق المنظور ، لاسيما في ظل دخول الصراعات في المنطقة المؤثرة على لبنان فصولاً جديدة قد تكون تأسيسية لحقبة مختلفة عن الحقبة الحالية.

 

مجلة الشراع