ضوء اخضر اميركي فرنسي – ايراني أمن ولادة الحكومة … كتب المحرر السياسي لـ الشراع”
مجلة الشراع 11 أيلول 2021
ليس صدفة الاعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي ،في اعقاب القرار الاميركي بالسماح للبنان بجر الغاز المصري عبر الاردن وسورية لحل مشكلة الكهرباء فيه. وهو ما كانت ابلغته السفيرة الاميركية في لبنان دوروثي شيا للرئيس ميشال عون لتتوالى الاجتماعات في دمشق وعمان فضلا عن بيروت من اجل تنفيذ القرار.
القرار الاميركي هو جزء من قرارات اتخذتها واشنطن وفق معلومات خاصة ب”الشراع”، ومن بينها الغاء التوجه السابق بعدم التعاطي مع اي حكومة لبنانية قائمة او ستشكل وتضم في صفوفها اعضاء في حزب الله.
ويأتي ذلك في اطار ما اوصت به لجنة خبراء كلفتها ادارة جو بايدن باعادة تقييم السياسة الاميركية المتبعة في لبنان من ضمن اعادة التقييم الشاملة التي تجريها واشنطن لسياساتها في المنطقة.
تشكيل لجنة اعادة التقييم الاميركية جاء بعد سلسلة تقارير وردت الى الخارجية الاميركية فضلاً عن الدوائر الاخرى الامنية والعسكرية وتتحدث عن ان الاستمرار في التوجهات السابقة التي بدأها الرئيس السابق دونالد ترامب واستهدفت لبنان ككل من خلال عزله ومحاصرته وفقاً لما عرف يومها بخطة مايك بومبيو (وزير الخارجية الاميركي الاسبق) وإن كانت حققت اهدافها بالنسبة لارباك حزب الله واشغاله واغراقه في بحر من الازمات التي لن يستطيع الخروج منها بسهولة ، فانها اضرت بلبنان ككل. ومن شأن الاستمرار بها إلحاق الاضرار ليس فقط باصدقاء وحلفاء واشنطن في بلاد الارز ، بل وايضا بالمصالح الاميركية في لبنان وفي المنطقة بحكم موقع هذا البلد الصغير ودوره وارتباط اوضاعه باوضاع الكثير من اوضاع دول اخرى في المنطقة.
ومن خلال سلسلة التقارير التي ارسلت الى الادارة الاميركية والمؤسسات التابعة لها سواء من سفارتها في لبنان او من خلال زيارات عدد من مسؤوليها وبينهم قائد المنطقة الوسطى ومدير الاستخبارات الاميركية المركزية واخيراً من خلال وفد الكونغرس الاميركي الاسبوع الماضي، جرى التركيز على خطورة الوضع في لبنان واولوية تشكيل حكومة خصوصاً وان ما يحصل من شأنه جره الى فوضى شاملة ستلحق الضرر بالجميع من ضمنهم حزب الله الذي اصيبت قوته باهتزازات عميقة ، وسيصاب بسلسلة نكسات على كل المستويات الا انه سيكون أقل المتضررين قياسا بباقي القوى الاخرى.
وكل ذلك يعني ان البطاقة الحمراء الاميركية التي كانت مرفوعة في وجه حكومة حسان دياب المستقيلة واي حكومة جديدة ستشكل ، لم تعد معدة للاستخدام وهو ما جرى مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الجديدة. وهو امر لا يمكن تفسيره الا في اطار تبلور كلمة سر اميركية أمنت خلق الاجواء المناسبة لولادة الحكومة سواء بالتدخل المباشر او عبر الوسيط الفرنسي الذي يتم التعاطي معه اميركياً بطريقة مغايرة لما كان الامر عليه ايام دونالد ترامب وتتيح له التحرك بهوامش اوسع والوصول الى نتائج كما حصل في موضوع الحكومة اللبنانية حيث وصل التدخل الفرنسي الى حدود تسمية وزراء لحل العقد المستحكمة واعتبارهم ودائع لباريس للالتفاف على الثلث المعطل والتهديد بفرض عقوبات مباشرة على جبران باسيل من اجل دفعه للالتزام بمنح تكتله الثقة للحكومة الجديدة .
ولا يقتصر الامر في هذا المجال على واشنطن، خصوصاً بعد الاتصال البالغ الاهمية بين الرئيسين الفرنسي ايمانويل ماكرون والايراني ابراهيم رئيسي ، وما جرى البحث خلاله بالنسبة للوضع في لبنان، وهو اتصال يعتبر مصدر واسع الاطلاع انه مقدمة لتعاون اكبر واوسع اقليمياً الا انه في موضوع لبنان كان حاسماً في التوصل الى ما تم التوصل اليه على مستوى توفير الاجواء المناسبة والمؤاتية لما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي.
وبالطبع لا يمكن اغفال مواقف عدد من العواصم العربية والدولية النافذة المستاءة مما وصل اليه الوضع في لبنان والضاغطة باتجاه العمل بشتى الوسائل من اجل الحؤول دون انزلاقه اكثر فاكثر الى المجهول بكل مندرجاته على صعيد الفوضى والفقر المدقع والانهيار الشامل والكامل.
وعلى جاري العادة في لبنان، فقد كان لكلمة السر الدولية والاقليمية وقعها وفعلها لدى السياسيين الذين تعاطوا معها من منطلقين:
الاول : عدم القدرة على مواجهتها او اسقاطها . وبالتالي فقد توقفت عملية البحث عن ثغر يمكن النفاذ منها لتجاوزها وتعطيلها عبر وضع شروط جديدة او الدفع باتجاه استيلاد عقد للتعطيل.
وقد تم التعاطي مع كلمة السر هذه بطريقة مشابهة لما كان يحصل سابقا في انتخابات رئاسة الجمهورية عندما تدخل البلاد في فراغ لا ينتهي الا لدى توافر كلمة السر هذه ليولد الرئيس المنتخب من رحمها.
الثاني: المشروعية التي تعطيها لهم كلمة السر هذه خصوصاً وان الحكومة تؤمن تمثيلهم بما يضمن سقوط المشروع السابق الذي كان يركز على تغيير الطبقة السياسية منذ ما سمي انتفاضة 17 تشرين الاول –اكتوبر 2019 عندما رفع شعار “كلن يعني كلن”.
ومن خلال ذلك يمكن قراءة طريقة التعاطي التراجعية من قبل اركان السلطة مع ما جرى.
فعلى سبيل المثال لا الحصر وافق ميشال عون ومن خلفه جبران باسيل على تسمية يوسف الخليل وزيرا للمالية رغم انه كان مرفوضاً من قبلهما سابقاً بحجة انه محسوب على الرئيس نبيه بري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. كما تراجع ثنائي العم والصهر عن تسمية الرئيس ميقاتي لوزير الاقتصاد ليكون ممثله في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.الخ…
وعلى سبيل المثال لا الحصر ايضاً وافق الحلف الذي يتهمه عون وجبران بانه يعمل ضد العهد لضربه ويضم الرئيسين بري والحريري والنائبين السابقين وليد جنبلاط وسليمان فرنجية على الثلث المعطل ، وان كان هذا الثلث جاء بشكل مقنع وخفي . والامر نفسه ينطبق على م رؤساء الحكومة السابقين الذين قبلوا في هذه الحكومة بالكثير مما لم يكونوا في وارد قبوله في الفترة السابقة عندما كان الحريري او مصطفى اديب مكلفا بتشكيل الحكومة.
واللائحة تطول في الامثلة التي يمكن ان تعطى عن “الليونة” او التنازلات التي قدمت من كل الاطراف وهي تنازلات ضجت وسائل الاعلام بحديث اصحابها عن ان سببها هو الرأفة بالبلاد والعباد وضرورة تأمين ولادة الحكومة الا انها في الحقيقة تتماهى مع كلمة السر الخارجية والتي تحمل في ثناياها امكانية التوصل الى تسوية بالحد الادنى في مرحلة انتقالية دخلتها البلاد بانتظار ما ستؤول اليه المعادلات المرتقبة على مستوى المنطقة ككل.
وفي كل الاحوال فان الاهم من كل ذلك هو انه اصبح للبنان حكومة يستطيع من خلالها التفاوض مع العالم لفك عزلته ورفع الحصار عنه ، واعادة الانتظام الى عمل مؤسسات الدولة بكل قطاعاتها بعد ان تعرضت لما تعرضت له من خلل ، والبدء ببرنامج اصلاحي ثمة شكوك في نجاحها بتنفيذه الا انها يمكن ان تخطو الخطوات الاولى على طريق تنفيذه رغم الصعوبات.
هذا اضافة الى ايلاء موضوع اجراء الانتخابات النيابية في موعدها الاولوية اللازمة لضمان سير البلاد في مسارات انتاج السلطة وبطريقة تعبر عن رأي الشعب اللبناني، علما ان مطلب اجراء الانتخابات النيابية في موعدها بات مطلبا دوليا يهم الخارج مثلما يهم الداخل.
واذا كان الرئيس نجيب ميقاتي ركز على شد الاحزمة لتأمين وصول الطائرة الى المدرج الآمن، فان تركيزه على مواجهة الاحباط واليأس يكتسبان اهمية كبيرة كونهما يسلطان الضوء على ما يعيشه اليوم كل لبناني من جراء الازمات المتتالية والمتشعبة على كل الصعد وفي كل الميادين سواء على محطات البنزين حيث طوابير الذل او على ابواب الافران لتأمين ربطة الخبز او في حياته اليومية المثقلة بشتى انواع العوز في الدخل والراتب وانقطاع الكهرباء والمياه وانهيار قيمة الليرة وانعدام قدرته على تأمين ابسط مستلزمات العيش.
الآمال المعلقة على الحكومة ورئيسها الماهر في تدوير الزوايا وفتح نوافذ التواصل في الداخل ومع الخارج كبيرة جداً، الا انها بتركيبتها الهشة والتناقضات التي تعشعش في ثناياها لن تكون قادرة على اجتراح المعجزات التي يحتاجها لبنان اليوم للخروج من الازمة غير المسبوقة التي يعيشها حاليا .
وفي كل الاحوال ،فان وجود حكومة افضل من عدم وجودها، والعبرة دائما في التنفيذ والنتائج