ثوابت ميقاتي في مواجهة الثلث المعطل / خاص-” الشراع”

مجلة الشراع 6 أيلول 2021

من يلعب بمن؟

السؤال مطروح بالحاح اليوم في معرض الحديث عن الصعوبات التي تعترض تشكيل الحكومة، بعد ان باتت اللعبة مكشوفة لكثرة استهلاك الوسائل والطرق التي تعتمد من قبل الفريق يريد ان يرمي مسؤولية التأخير في ولادتها على الطرف الاخر.

وآخر التوصيفات التي اطلقت على عملية التأخير في التوصل الى تشكيل حكومة حتى الآن هو ما نسب الى مراقب بارز تحدث عن ان كل القوى المعارضة لميشال عون لا توفر وسيلة وبينها محاولة استخدام الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في عملية ضرب رئيس الجمهورية الذي سبق ان جرب الامر نفسه وفشل عندما حاول ذلك مع السفير مصطفى اديب ثم مع الرئيس سعد الحريري كما انه لا يترك بدوره وسيلة الا ويستخدمها من اجل النيل من خصومه، بعد ان انكسرت الجرة بينه وبين معظم الاطراف السياسية والحزبية والنيابية في لبنان لا بل كل الاطراف باستثناء حزب الله.

فعون ومعه جبران باسيل لم يتركا لهما “صاحب” في طول البلاد وعرضها، كما يقول قيادي سابق في التيار الوطني الحر،والخصومة بينهما وبين عدد من الاطراف والشخصيات وصلت في بعض الاحيان الى حدود العداوة وما كان يتم الحديث عنه في الغرف المقفلة بات حديث العلن وما ينشر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي خير دليل على ذلك وهي التي تضج بالتقارير والخبريات سواء كانت صحيحة او ملفقة ومفبركة لتلميع صورة كل فريق وتشويه صورة الطرف او الفريق الاخر المعادي، دون ان يقتصر الامر على جبهة واحدة . فداخل البيئة المسيحية صراع واتهامات وسجالات وشتائم تكاد لا تنتهي بين التيار الوطني الحر وبين القوات اللبنانية وحزب الكتائب والمردة واخرين . وعلى الجبهة الوطنية العامة ثمة امور مماثلة ولا تقل خطورة وبينها ما يدور من حروب ضروس على وسائل التواصل بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل وكذلك بين التيار العوني وحركة امل فضلا عن احزاب اخرى ، الى درجة بات معها جزء من عمل التيار التابع لجبران باسيل هو التحول الى مجموعات لا توفر احدا في انتقاداتها واتهاماتها وحملاتها مع كل ما يستتبع ذلك من ردود لا تقل قساوة في النيل من موقع الرئاسة المتهمة اليوم بانها حولت رئيس الجمهورية الى رئيس لحزب سياسي لا يهتم بمصلحة البلاد والعباد بقدر ما يهتم بمصلحة تنظيمه ومستقبل صهره المدلل.

والمقصود بذلك هو ان الامر لم يعد مقتصرا على تسجيل شريط مصور من هنا او هناك ، يصف فيه جبران باسيل الرئيس نبيه بري بانه بلطجي ، او يتم تسريب شريط مصور باسم عون ويقول فيه ان الحريري كسول او كذاب  الخ ،لتحصل ردود افعال واسعة ، بل بات مثل هذا الشريط المصور والذي قيل عندما كانت العلاقة بين بري وجبران “طبيعية” و بين الحريري “ممتازة” تفصيلا صغيرا امام ما ينشر ويذاع ويكتب على جبهات وسائل التواصل وضد الكل من قبل التيار الوطني الحر ومجموعاته المتفرغة على ما يبدو للعمل في العالم الافتراضي على بث الاخبار وقسم منها من دون شك اشاعات ضد كل خصوم التيار تحت عنوان الرد على الذين يحاولون افشال العهد واسقاطه وتولوا سابقاً العمل على منعه من تحقيق ما يربو اليه من اهداف في الاصلاح والتغيير وما شابه ذلك من شعارات اثبتت التجربة خلال السنوات الخمس الماضية انها لم تكن الا مجرد كلام على الورق بالنسبة لحامليها.

كل ذلك، بالطبع له انعكاساته على موضوع تشكيل الحكومة ،رغم الحديث عن وجود بصمات لدول خارجية في الحؤول دون حسمه حتى الان.

الا ان ما ينبغي التوقف عنده وهو امر جديد بالنظر الى نوعيته وما يمكن ان يفضي اليه من وقائع ومعطيات مختلفة عن الوقائع السيئة التي يدفع لبنان ثمنها اليوم ، هو موقف نجيب ميقاتي الذي يتعاطى مع مسألة تشكيل الحكومة وفق رؤية كاملة ومتكاملة الاساس فيها هو رفض استخدامه لمصلحة هذه الجهة او تلك مع حرصه على اضفاء روحيته التسووية والتفاهمية مع الكل من اجل ضمان الوصول الى الخواتيم السعيدة لمهمته والانطلاق في مسيرة الانقاذ الشاقة عبر حكومة منتجة وقادرة على الانجاز سواء في موضوع لجم الانهيار والتقليل من الخسائر الناجمة عن ذلك او في موضوع البدء بتنفيذ خطة تضمن في حال طبقت الخروج من نفق الازمة الحالي المظلم الى حيث يمكن اعادة البناء بدءا من استعادة الثقة بالدولة والمؤسسات من قبل المواطن بعد ان اهتزت هذه الثقة وتزعزعت خلال السنوات الخمس الماضية في ولاية ميشال عون.

يرفض ميقاتي استخدامه من قبل اي طرف لضرب طرف اخر، وهو الذي  يتعرض اليوم ليس فقط لشروط عون التي لا يمكنه القبول او السيربها ،بل وايضا لشروط قوى اخرى تسعى للاقتصاص من فريق العهد ورئيسه بسبب  السياسات الكيدية التي اتبعها بحقها وبحق البلاد واوصل الامور الى ما وصلت اليه ، علما ان عون وان كان يتحمل مسؤولية كبيرة واساسية في ذلك الا انه ليس الوحيد المتسبب بما آلت اليه الامور في البلاد.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال كيف اعيد طرح مسألة تشكيل حكومة اقطاب من 14 وزيرا باعتبارها الفرصة الاخيرة بعد ان كانت الاتصالات تركز على ان تكون من 24 وزيراً؟وهل لميقاتي دور في ذلك فعلا ام ان الحريري ومعه وليد جنبلاط وسليمان فرنجية هم الذين طرحوا الفكرة لاعادة الامور الى المربع الاول علما ان بري لم يتهم بالوقوف وراء الفكرة كونه صاحب مبادرة رفع عدد الوزراء الى 24 وزيرا عندما كان الحريري ما زال الرئيس المكلف تشكيل الحكومة.

في معلومات “الشراع” ان الحريري وكذلك جنبلاط كانا فوجئا مثلهما مثل سليمان فرنجية مثل باقي الاطراف بموضوع العودة الى فكرة ال14 وزيرا ، وانه خلافا لما اطلقته ابواق العهد واتباعه من اتهامات ضد هذا الفريق فانه عرف بالامر من وسائل الاعلام ، لا بل ان اكثر من طرف ابدى استياءه من ذلك ووضعوا الامر في سياق ما درج عليه العهد وفريقه من تكيتكات جديدة تحاول نزع صفة التعطيل عنه ورميها باتجاه فريق بري والحريري وجنبلاط وفرنجية.

وبصرف النظر عن الجهة التي رمت هذه الفكرة في اطار لعبة شد الحبال الحاصلة اليوم ، فان الواضح ان فكرة حكومة الاقطاب  طلقة تحذيرية للجميع وخصوصا لفريق عون من اجل اعادة النظر في كل ما يقومون به ،وذلك قبل ان يقدم الرئيس المكلف على خطوات حاسمة في مجال مهمته ،فيما يبدو بوضوح انه مصر على موقفه المبني اساسا على فكرتين لا ثالث لهما وهما:

الاولى :ان اي خطوة يقدم عليها يرفض ان تكون عرضة للاستخدام في لعبة التجاذبات السياسية هذه . وهو بهذا المعنى لا يريد لما يقوم به ان يدخل في باب حسابات الاطراف وعلى رأسها فريق عون وجبران  بالنسبة لجني الارباح اوالخسائر . فموقفه واضح بالنسبة لتمسكه باتفاق الطائف وعدم المس بصلاحيات الرئاسة الثالثة ، وكل ما يريده هو ان يربح الجميع وفي مقدمتهم الشعب اللبناني من موضوع تشكيل الحكومة، بصرف النظر عن النتائج ، لان المطلوب اليوم هو الحؤول دون انهيار الهيكل لانه اذا سقط سيسقط على رؤوس الجميع ولن يوفر احداً.

الثانية تقوم على ان فكرة تكليفه وقبوله تحدي تسميته لتشكيل الحكومة ليست مفتوحة ، وانه كما يفعل الان يتولى تقديم كل التسهيلات اللازمة ويقوم بتدوير الزوايا ولكن انطلاقاً من ثوابته التي تستند الى قاعدة اساسية وهي انه المعني بتشكيل الحكومة وان صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا الصدد لا تلغي دوره، وهو بالتالي يرفض اي تماد في هذا الصدد. كما ان تكليفه ليس مفتوحا الى امد غير محدد الا ان اعتذاره في حال تعذر الاتفاق على تشكيل الحكومة بعيد بدوره عن الاستخدام وهو يحصل في حال تعذر تشكيل الحكومة وبقيت الشروط الموضوعة في وجهه وعلى رأسها سعي عون وجبران المستتر والمعلن للحصول على الثلث المعطل وهو ما لا يمكن لميقاتي ان يقبل به كونه سيؤدي الى تعطيل حركة حكومته ونسف اي تحرك يمكن ان تقوم به من اجل الخروج من دوامة الانهيار والتأزم السائدة حالياً.

وبالطبع فان كل ذلك لا يبرئ ميشال عون وفريقه ولاسيما صهره جبران باسيل من مسؤولية عدم تشكيل حكومة منذ اكثر من سنة وحتى الان خاصة بعد اعتذار السفير مصطفى اديب والرئيس سعد الحريري.ولهذا السبب فان سياسة اليد الممدودة التي يتبعها ميقاتي هي الان فرصة امام العهد لانقاذ ما تبقى من رصيده شبه المعدوم ، واول الغيث في اغتنام الفرصة من قبل العهد يبدأ بالتخلي فعلاً لا قولاً عن الثلث المعطل الذي تحول الى عقدة العقد التي عطلت وما تزال عملية تشكيل حكومة .