خاص- “الشراع” / ميقاتي والاعتذار المؤجل
خاص- “الشراع” / ميقاتي والاعتذار المؤجل
مجلة الشراع 29 آب 2021
العودة الى المربع الاول في موضوع تشكيل الحكومة كما قال الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، اعادت من جديد التساؤلات حول ما اذا كان تعذر الولادة الحكومية هو المرجح خلال ما تبقى من ولاية الرئيس ميشال عون.
العودة الى المربع الاول ، تأتي بعد كلام تفاؤلي للرئيس المكلف نفسه ، تحدث فيه عن ان الاتصالات لتشكيل الحكومة لم يبق منها الا ثلاثة امتار بعد تجاوز الامتار السبعة والتسعين في الطريق نحو انجازها.
فما هي العقد والعراقيل التي استجدت بين اللقائين الثاني عشر والثالث عشر ، والتي دفعت ميقاتي الى قول ما قاله بشأن العودة الى المربع الاول؟
ولا بد بداية من الاشارة الى ان الرئيس نجيب ميقاتي وفقاً لما توافر من معلومات مؤكدة و خاصة بـ “الشراع”، خرج من اجتماعه الاخير مع الرئيس ميشال عون وقد اتخذ قراره بالاعتذار عن الاستمرار في مهمته كرئيس مكلف ،بعد ان قوبلت المسودة الوزارية التي طرحها برفض ما كان تم الاتفاق عليه معه وهو امر بات معروفاً في تفاصيله وجزئياته سواء بالنسبة لتوزيع الحقائب او الاسماء الخ.
ووفقا للمعلومات نفسها المؤكدة والخاصة بـ “الشراع”، فان حالة رفض واسعة قوبل بها قرار ميقاتي بالاعتذار ، ترجم بالتمني عليه من اجل عدم الاقدام عليه ، وهو ما ادى الى تجميده ولو الى حين بانتظار ما اذا كانت الاتصالات الدائرة ستفضي الى ايجاد حل للمسائل العالقة وبما يتيح لميقاتي العمل من اجل التصدي لمشكلات الناس والبلد ومعالجتها.
وشملت حالة رفض الاعتذار اغلبية القوى السياسية في لبنان وفي مقدمتها اضافة الى رؤساء الحكومة السابقين والرئيس نبيه بري، قيادة حزب الله التي سارعت الى اجراء سلسلة من الاتصالات وعلى ارفع المستويات من اجل ضمان تجميد الاعتذار على الاقل والافساح في المجال امام بذل الجهود من اجل تذليل العقد المستجدة والمفتعلة. كما كانت مواقف لافتة لدول عديدة عربية واجنبية في مقدمتها فرنسا ،التي تمنت بدورها على ميقاتي التريث في تنفيذ قراره.
الرئيس ميقاتي كان حدد لنفسه فترة شهر من اجل الاعتذار في حال لم يتم الاتفاق على تشكيل حكومة قادرة على العمل والمعالجة والتحرك لفرملة الانهيار… وقد مرت فترة الشهر هذه التي عمل خلالها على تدوير الزوايا وعمل بايجابية كاملة على تذليل عقبات وعقد كثيرة ضمن اطار رسمه لنفسه في موضوع تشكيل الحكومة ، وهو ما يشهد به الجميع وبينهم ميشال عون نفسه الذي اصدر ديوان قصر بعبدا بياناً بهذا المعنى ضمنه رفضه اعتذار ميقاتي ورغبته باستمرار التعاون معه.
وبالطبع فان الغالبية الساحقة من القوى السياسية لم تصدق ما ورد حول التمسك بميقاتي من قبل بعبدا، من منطلق ان الافعال لا تنطبق مع الاقوال، وان شروط عون وصهره جبران الذي يتحرك حاليا من خلف الستارة لا تؤمن ولادة الحكومة بل تبتدع كل يوم افكارا واقتراحات جديدة لوضع العصي في الدواليب.
واللافت في هذا المجال ، هو ان المحيطين بالقصر الجمهوري لا يتحدثون اليوم الا عن حلف ثلاثي يضم الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق سليمان فرنجية يستهدف العهد ويرمي الى افشاله وضربه ، علما ان هذا الحديث لا يشمل دائما النائب السابق وليد جنبلاط ، الا انه بالطبع ليس مستثنى من الاتهام بامكان السير في خطط الحلف الثلاثي المشار اليه اذا وجد ان له مصلحة في ذلك.
وثمة تفاصيل تروى من قبل هؤلاء باعتبارها وقائع حصلت للحديث عن ان بري والحريري “دفشا” فرنجية من اجل وضع شروط لتمثيله في الحكومة لا يرضى بها عون وجبران باسيل، خصوصا وان ما أفسده الدهر بين المردة والتيار الوطني الحر لم يستطع اي سياسي او اي وسيط اصلاحه نظرا الى حجم الهوة الفاصلة بينهما واكثر من يعبر عن ذلك هو ما يرد بين وقت واخر في تصريحات ومواقف باسيل اضافة الى مواقف حليف تيار المردة النائب فريد هيكل الخازن الذي لا يترك مناسبة الا ويغتنمها من اجل توجيه النقد والاتهام لعون وصهره باسيل بايصال البلاد الى ما وصلت اليه من انهيارات.
وبالطبع، فانه بات واضحاً ان العهد الحالي لا يحتاج إفشاله او ضربه الى وجود او تشكيل حلف ضده،لان “الاناء ينضح بما فيه” كما قال لـ”الشراع” قيادي في احد اطراف الحلف الثلاثي المشار اليه، لا سيما وان هناك مئات الامثلة على ما فعله خلال السنوات الخمس السابقة من عمر ولايته وعبرت عن عدم تعاطيه مع موقع الرئاسة من منطلق انه لجميع اللبنانيين واختار بشكل سافر وصريح ومتعمد خدمة تياره ومشروع صهره الرئاسي ليكون خليفته في قصر بعبدا، متجاوزا اتفاق الطائف والدستور عبر محاولات تكريس اعراف جديدة تنسف روح التوافق والتفاهم التي لا يمكن للاستقرار ان يتحقق ويحافظ عليه الا بالتسويات .
وما تعاطيه الاستفزازي والفوقي مع موقع الرئاسة الثالثة الا عينة مما قام ويقوم به…
ومن دون التوقف امام تجربة الرئيس سعد الحريري معه خلال توليه رئاسة الحكومة وهي تجربة مريرة تحتاج الى موضوع على حلقات للحديث عنه، فان التعاطي مع حسان دياب بالطريقة ذاتها وكأنه مجرد “باش كاتب” لدى القصر الرئاسي لا يختصر حكاية عون الذي تحول الى قابلة لا هدف لها الا توليد الاعراف الجديدة وعلى حساب الدستور ،فان موضوع تعذر تشكيل الحكومة مع السفير مصطفى اديب قبل نحو عام ومن ثم مع الرئيس سعد الحريري على مدى عشرة اشهر قبل الوصول الى التجربة غير المشجعة حتى الان مع الرئيس ميقاتي ، بات الموضوع الاكثر سخونة كونه يؤدي الى عدم قيام السلطة الاجرائية بدورها وواجبها وترك الامور على غاربها لبعبدا والصهر والمستشارين رغم تفاقم الازمات ووصول البلاد الى قعر الانهيار.
ووصل الامر الى ذروته مع استدعاء حسان دياب بمذكرة احضار الى التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت .وكان موقف رؤساء الحكومة السابقين واضحاً في اتهام بعبدا بالوقوف وراء الامر، قبل ان يدلي مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان بدلوه في هذا المجال ناصحاً عون ان يحفظ ما تبقى من عهده لضمان عدم الانحدار الى جهنم التي كان رئيس الجمهورية بشر اللبنانيين بالسقوط في قعرها.
وكما هو معروف فقد استدعى هذا الامر ردود افعال واسعة رافضة للنيل من موقع رئاسة الوزراء وكان للرئيس نبيه بري من خلال الامانة العامة لمجلس النواب موقف لافت في رفضه وكذلك كان هناك موقف لافت مماثل لامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في اطار ابعاد التحقيق عن محاولات التوظيف السياسي.
ومن الواضح ان مؤدى كل هذه المعطيات يشير الى ان البلاد دخلت اليوم معركة انتخابات رئاسة الجمهورية خصوصا واننا نقترب من العام الاخير من ولاية عون.
وبات الهدف الوحيد لعون وفريقه هو ابعاد اي مرشح يمكن ان تكون له فرصة بالوصول الى قصر بعبدا سواء عبر محاولة تركيب ملفات ضده او عبر العمل بوسائل عديدة من اجل تشويه صورته.
ويندرج ضمن ذلك موضوع تشكيل الحكومة كما يبدو حتى الان، اذ لا حكومة لا تضمن وصول مرشح عون اي صهره للرئاسة ، ولا حكومة تستطيع التحرك بمعزل عما يريده العهد لحماية مكاسبه وضمان استمرار نفوذه وتأثيره ضمن المعادلة اللبنانية . وعلى هذا النحو يقدم عون نفسه مع باسيل على اساس انه يقاتل دفاعا عن حقوق المسيحيين وسعياً لتعزيزها عبر محاولة العودة الى دستور ما قبل الطائف.
ومهما قيل ويقال في موضوع ما آلت اليه الاوضاع سياسياً، فان ما بات مؤكدا هو ان عون يريد حكومة يحكم البلاد من خلالها وفق أجندته في المرحلة المتبقية من ولايته وفي مرحلة الفراغ المرجح بعدها، من دون مراعاة للتوازنات السياسية وتركيبة المجتمع اللبناني واطيافه ، وبما يؤمن له ضمان انتخاب باسيل رئيسا للجمهورية وابعاد اي مرشح اخر له . واذا لم يتحقق هذا الشرط فان استمرار الوضع الحالي على سيئاته وخطورته افضل له من القبول بتشكيل حكومة ليس له على الاقل الثلث المعطل.
هل يعني ذلك ان لا ولادة لحكومة لا تكون عونية بكل ما للكلمة من معنى ، وان اعتذار نجيب ميقاتي سيحصل عاجلاً او اجلاً في ظل تمسك عون بما يعتبره حقه في المشاركة بتشكيل الحكومة متجاوزا بذلك صلاحيات الرئيس المكلف المعني الاساسي بتشكيل الحكومة ومجلس النواب المخول وحده منح الثفة او حجبها عن الحكومة.
الملاحظ ان معظم السياسيين الذين يتوقعون اعتذار ميقاتي بسبب توجهات وسياسات عون ، يأملون ان يكونوا على خطأ وان يبادر عون كما نصحه المفتي دريان الى انقاذ ما تبقى من عهده من خلال تسهيل تشكيل حكومة تضع لبنان على سكة مغايرة لسكة جهنم التي يسير عليها لبنان واللبنانيون حالياً.