خطورة الكذب على رسول الله / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

مجلة الشراع 13 آب 2021

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إنما يفتري الكذبَ الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} سورة النحل، أي لا يتورَّع الذين لا يؤمنون عن افتراء الكذب لأنهم لا يترقَّبون عقابًا وأولئك بلغُوا الغاية في الكذب أما المؤمن الكامل فيتنزه عن ذلك.

وعن المغيرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن كذبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فَلْيَتبَوَّأ مقعده من النار” رواه البخاري ومسلم.

استُفيد من الحديث أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أشد إثمًا من الكذب على آحاد الناس فهو خطِرٌ جدًا لا يخلو مرتكبه عن حكمين: إما انتفاء الإيمان عنه وإما الوقوع في كبيرة من كبائر الذنوب. ومعنى “فليتبوَّأ مقعده من النار” بوَّأه الله ذلك أي استحق عذاب النار بذلك.

وكم هو جديرٌ بنا في هذا الزمان تحذير الناس من نسبة ما لم يقله النبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث راح بعض الناس يستسهلون ذلك وينشرون أحاديث مكذوبة على نبينا صلى الله عليه وسلم في المجالس أو عبر وسائل التواصل.

الموضوع والوضَّاعون

قال الشيخ البيقوني في “منظومته البيقونية” في مصطلح الحديث:

والكذِبُ المختَلَقُ المصنُوع                              على النبيْ فذلك الموضوع

قال ابن عرَّاق في “تنزيه الشريعة”: “وقال الحافظ ابن دحية: الموضوع الملصق، وضعَ فلان على فلان كذا ألصقه به (أي نسب إليه ما لم يكن منه) واصطلاحًا هو الحديث المختلق (المكذوب) المصنوع”. فالموضوع إذًا هو الملصقُ بالنبي والنبي صلى الله عليه وسلم بريءٌ منه.

والوضَّاعون أقسامٌ منهم من أرادوا أن يُفسدوا الدينَ لما وقَرَ في نفوسهم من بغض الإسلام وأهله فظهروا بين الناس بمظهر المسلمين ووضعوا الأحاديثَ ولكن الله فضَحهم لأنه تولَّى حفظ كتابه الكريم بقوله: {إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنَّا له لحافظون} سورة الِحجر. فكان حفظ السنة موعودًا به في حفظ الكتاب لأن السنة مما نزل بالوحي أيضًا، فقد روى الخطيب البغدادي في “الكفاية” عن حسَّان بن عطية قال: “كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسُّنة كما ينزلُ عليه بالقرآن يُعلِّمه إيَّاها كما يُعلِّمه القرآن”. وقد قيَّض الله أئمةً علماء صرفوا عنايتهم في خدمة الحديث الشريف ووضعوا قواعدَ يُرجع إليها في معرفة المقبول والمردود يطول الكلام فيها فحموا حمى الشريعة من دسِّ الكاذبين.

وقد جاء في “تاريخ دمشق” للحافظ ابن عساكر “أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أخذ زنديقًا (الزنديق الذي لا يدين بدين ألبتة) فأمر بعقوبته فقال الزنديق: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله كلها ما فيها حرفٌ نطق به. فقال الرشيد: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخِلانها فيخرجانها حرفًا حرفًا”.

ومن أقسام الوضَّاعين ناسٌ عُرفوا بالقصَّاصين كانوا يضعون الأحاديث قصدًا ويزخرفونها للناس للتَّكسُّب فيأكلون الأموال بالباطل. ومنهم المقلِّدون وقد عُرفوا بهذا الاسم لأنهم كانوا يُقلِّدون بعضَ الأئمة فيتعصَّبون لمشايخهم فيضع بعضُهم الحديثَ نُصرة لإمامه وتنقيصًا لشأن غيره من الأئمة. ومنهم غير ذلك وتختلف أغراض الوضَّاعين باختلاف نواياهم وكل ذلك قبيحٌ وحرام، فإنه ليس لأحدٍ أن يعزو إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ولو ادعى أن قصده حسنٌ وأنه يريد حثَّ الناس على التزام الدين فإن في الصحاح سعة وغنية عن الكذب لمن تعلَّم، وأما من اختار البقاء في ظلمة الجهل فلن يجد في الكذب ضياءً لدربه.

وإذا عُلم هذا فكن على حذرٍ فإن علم الحديث لا يؤخذ من أيٍ كان ولا تكفي الشهرة للحكم للشخص بنيل درجة الحافظ أو المحدث.

حكم الواضع الكذَّاب

إن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوعين: أحدهما يصل إلى حدِّ مفارقة الملَّة وينتفي به اسم الإسلام عن الشخص، والآخر لا يصل إلى هذا الحدِّ إلا أنه حرامٌ من كبائر الذنوب.

فأما النوع الأول فهو ما لو كان هذا الكذب متضمِّنًا معنىً يكذّب الشريعة كأن ينسُب شخصٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلامًا يتضمَّن تحليل حرامٍ أو تحريم حلال وهو يعلم أن الحكم في الشرع على خلاف ما يدَّعي لأنه بذلك يجعل النبي صلى الله عليه وسلم متلاعبًا بالدين ويجعل من نفسه مستدركًا على الشرع الشريف. ومن أمثلة هذا القسم نسبة بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل” فإنه كذبٌ تضمَّن ردَّ صريح القرآن الكريم وهو قوله تعالى في سورة الأنعام بعد ذكر عدد من الأنبياء: {وكُلًّا فضَّلنا على العالمين}. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في “العقيدة الطحاوية” التي هي عقيدة كل المسلمين والتي لا يُخالفها إلا من شذَّ عن الحق: “ولا نُفضِّل أحدًا من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء عليهم السلام ونقول نبي واحد أفضل من جميع الأولياء”.

أما النوع الثاني من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يصل إلى حدِّ الحكم على قائله بمفارقة الملَّة فهو كما لو أن إنسانًا ألَّف كلامًا لا مخالفة فيه للدين إنما فيه حثٌ على الفضائل أو تنفيرٌ من الرذائل مثلًا لكنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله ومع ذلك نسبه إليه.

فإذا عُلم هذا فالحذر الحذر فعن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين” رواه مسلم. ومعناه من روى حديثًا يعلم أنه مكذوب استحق الوعيد الوارد في الحديث أول المقال.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

 

مجلة الشراع