الخيانة… معانيها وصورها / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 6 آب 2021
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {يا أيها الذين ءامنوا لا تخُونوا اللهَ والرسولَ وتخُونوا أماناتِكم وأنتم تعلمون} سورة الأنفال.
كثيرًا ما يذهب فكرُ كثيرٍ من السامعين لكلمة الخيانة إلى المعاشرة غير الشرعية فيُطلقون هذا الوصف على الزاني والزانية، ولا شك أن الزنا خيانة نكراء ولكن ربما حملها البعض على من تزوَّج امرأةً أخرى أو على من تزوَّجت رجلًا متزوِّجًا وهذا ضلالٌ وفسادٌ مبين لأن من سمَّى ما أباحه الله تعالى خيانةً فقد كذَّب الدين، وقد شرَع اللهُ تعددَ الزَّوجات بضوابط معيَّنة وهذا الحكم معلومٌ من الدين بالضرورة أي يعرف ذلك العالمُ والعامِّيُّ من المؤمنين، ومن لم يرض بذلك فهذه مشكلته، وليس لنا أن نعترض على شرع الله. والمشكلة الكبرى أنك ترى كثيرًا من هؤلاء الذين يُسمُّون بعض ما شرعه الله تعالى خيانة لا يتورَّعون عن اقتراف الخيانة الحقيقية فإذا بأحدهم يظلم نفسه وذلك كمن يترك أعظم الفرائض وهو الإيمان بالله ورسوله ويعترض على الله، وهناك من يخون أمانات الناس بأكل حقوق من استأمنَه عليها سواء كان الذي استأمنه مؤمنًا أو غير مؤمن، خلافًا لبعض الجهلة الذين يُجيزون خيانة غير المسلم محتجِّين لزعمهم بحديث مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من غشنا فليس منا” ويُفسرون “غشّنا” بأن المراد فيها مجتمع المسلمين وينسون الرواية الأخرى في مسلم أيضًا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من غشّ فليس منا” وقوله “من غش” لفظ عام وهذا يدل أن خيانة المؤمن وغير المؤمن حرام. وأما معنى “فليس منا” ليس على طريقتنا الكاملة أي إيمانه ناقص.
أقسام الخيانة
وقد ذمَّ الله تعالى الخيانة في كتابه الكريم في عدة مواضع قال تعالى: {إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما} سورة النساء. وقال تعالى أيضا: {إن الله لا يُحب الخآئنين} سورة الأنفال.
ولمزيد إيضاح معنى الخيانة نقول: قد تكون الخيانة بالقول وقد تكون بالفعل وقد تكون بالحال، ونسوق أمثلةً لكل قسمٍ تحذيرًا للناس. أما الخيانة بالقول: فهي كالإفتاء في الدين بغير علم وذلك أن بعض الناس يستأمنهم الناس على الدين لأنهم صاروا يُعرفون باسم المشيخة أو الفتوى فيقصدهم العوامُّ للسؤال عمَّا يحتاجون إلى معرفته من الأحكام فيستحي هذا الشيخ أو المفتي أن يقول: لا أدري، فيفتي بما يراه هو برأيه السقيم دون الاستناد إلى دليلٍ من القرآن أو السنة أو كلام العلماء المعتبرين. ومن أشد الخيانة أن يُستأمنَ الرجل على الدين فيتَّخذه سُلَّمًا للوصول إلى المناصب والأموال. ومن الخيانة بالقول أيضًا إنكار الأمانة وذلك كأن يجعل شخصٌ عند آخر وديعةً ثم يطالبه بها فيقول الآخر: ليس لك عندي شىء. ومن ذلك أيضًا أن يُوهم كاذبًا من استشاره في تزويج فلانٍ أو الدخول في معاملةٍ ماليةٍ مع فلان مثلًا بأنه أهلٌ لتحمُّل الأمانة وأنه مناسبٌ ليكون زوجًا لبنته أو أخته أو ليكون شريكًا له في تجارته، وما أكثر ما نجد مثل ذلك في مجتمعنا الذي بات يتخبَّط بالخُصومات والمشاكل نتيجة مثل تلك الخيانات التي تصدر عمن لا يفرق بين الخيانة والنصيحة.
وبالإضافة إلى ذلك تجد بعض الناس يخونون بالفعل، وذلك كالموظف الذي يخون الأمانة بتعاطي الرِّشوة لإبطال حق أو إحقاق باطل، وكأصحاب المناصب المتقدمة الذين يرفعون راية الإصلاح والأمانة ويهدرون مال المصالح العامة بغير حقٍ فإذا بهم يصرفونه بخلاف ما أذن الله فيه وذلك أن المال الذي يُجمع باسم أعمال البر والخير يجب المحافظة عليه بالأمانة الشرعية فإن وضْعَه في غير محلِّه وصرفَه على غير الوجه الذي تبرَّع فيه فاعل الخير خيانة. ومن ذلك أيضًا أن تصرف المرأة مال زوجها وقد استأمنها عليه بغير حق. وهؤلاء يدخلون تحت الحديث الذي رواه البخاري عن خولة الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍ فلهم النار يوم القيامة”.
وأما الخيانة بالحال فهي كأن يُوهم الشخصُ الناسَ أنه أهلٌ لتحمُّل الأمانة كأن يتظاهر بالصلاح فيكثر المكث في المسجد ويلبس ثيابًا رثَّةً ويقلل من الطعام والشراب لينحل جسمه ويتغيَّر لونه فيظن العوامُّ فيه الزهد وترك الدنيا والإقبال على الآخرة فيعطونه أموالهم لاعتقادهم أنه يصرفها في مصالح الأمة بأن يعين فيها الفقراء ويُغيث الملهوفين وأصحاب الحاجات فإذا به يريد أن يتوصَّل بحاله لأكل أموالهم بالباطل بهذه الخيانة التي اتخذها سبيلًا لذلك.
لكل غادرٍ لواء
إذًا ليست الخيانة محصورةً بالمعنى المتعارف عليه اليوم عند كثيرٍ من الناس أي بين الزوج والزوجة بوقوع الزنا من أحدهما فقط بل هي أعمُّ من ذلك بكثير، وما نسمعه ونراه اليوم من تفشِّي الكذب والخداع والغش والتزوير والسَّرقة والاختلاس لا سيما في الطبقة الحاكمة، وشهادة الزور والرِّشوة والمطل بالدَّين ودفع المال لإبطال حقٍ أو إحقاق باطل والنفاق وتسلُّط الخونة على الناس في كثيرٍ من المجالات والمراكز التي ينبغي أن تكون لرعاية المصالح العامة وتقديم العون للمحتاجين، وما نراه أيضًا من تلميع صورة أدعياء العلم والمشيخة وتصديرهم على الفضائيات لتغيير الحقائق وتبديل الثوابت إنما هو بسبب خيانة أصحاب النفوس المريضة الذين لا يعبأون بالأمانة، ولهؤلاء نقول: عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرف به يقال هذه غدرةُ فلان” رواه البخاري ومسلم.
ومن كانت ولايته أعمّ وأشمل ثم خان كان ضرره أكبر من غيره، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له” رواه الإمام أحمد، معناه لا إيمان كامل لمن كان على هذا الوصف، فمن لم تكن عنده صفة الأمانة وكان خائنًا أي غير حافظٍ لحقوق الناس مثلًا كما أمر الله فهو عاصٍ ناقص الإيمان، ولا صلاح لمجتمع طالما تستشري فيه الخيانة وتضيع الأمانة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظر الساعة. قيل: كيف إضاعتُها؟ قال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” رواه البخاري، أي ولي الأمور من ليس أهلًا لها.
والحمد لله أولًا وآخرًا.