خلق الإنسان بين تأويلات المعتزلة والمتصوفة / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
مجلة الشراع 27 تموز 2021
إذا كانت صورة النحل جعلت خلق الإنسان من نطفة وكونه خصيما مبينا فإن ثمة سياقات أخرى تضع خلق الإنسان – وآدم بصفة خاصة – في مكانة أسمى من مكانة كل المخلوقات ، وقد أدرك الطبري هذا السياق التهديدي وما يحدثه من أثر في إبراز العلامات الكونية التي تتضمنها السورة وذلك حين يقول : خلق ربكم السموات والأرض بالعدل لم يشركه في إنشائها شريك .
لأنه لا يكون إلها إلا من يخلق وينشيء بقدرته مثل خلق السموات والأرض ويبتدع الأجسام فيحدثها من غير شيء ، فسياق سورة المؤمنون والتي تبدأ ” قد أفلح المؤمنون ” نلاحظ أن الحديث عن خلق الإنسان يتصدر الحديث عن خلق السموات والأرض وما بينهما فيوصف خلق الإنسان وصفا تفصيليا ” وقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة فجعلنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ” .
وهو الوصف الذي تقمص أحد كتبة الوحي واستولى عليه وهو يتابعه لدرجة أنه نطق به قبل أن ُيمْلي عليه النبي ، فلما أخبره النبي أن خاتمة الآية \ الفاصلة هي (فتبارك الله أحسن الخالقين) أصاب الكاتب من الغرور ما جعله يتوهم أنه قادر على أن يأتي بمثل القرآن ، فارتد عن الإسلام ثم عاد إليه في عام الفتح .
وهذه الحادثة هي نموذج كاشف عن قدرة اللغة الدينية على الإستيلاء على المتلقي وإدماجه في عالمها إدماجا يصل الى حد التماهي في كثير من الأحيان ، والكاتب هو عبد الله بن سعد بن أبي سراج وهو الذي أنزل به قول الله تعالى ” ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح اليه شيء ومن قال سأنزل ما أنزل الله ” كذلك قد ورد ذلك في كتاب المستشرق الفرنسي تيودور نولدكة – تاريخ القرآن – .
وقد جاء في سورتي الرحمن والسجدة في خلق آدم من (صلصال من فخار ) وفي سورة الحجر ( صلصال من حمىء مسنون ) والصافات من ( طين لازب ) ، وقد حاول الطبري أن يجمع كل تلك الأوصاف في نسيج دلالي واحد وذلك من خلال رواية يرويها عن ابن مسعود فحواها أن ملك الموت الذي أرسله الله ليأتيه بالطين من الأرض لم يأخذ الطين من مكان واحد بل أخذه من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين .
وإذا كانت كل المخلوقات قد خلقها الله بالأمر الإلهي – كن ، فإن خلق آدم قد تميز عن خلق المخلوقات كلها بأنه باشر الله سبحانه وتعالى خلقه بيديه وذلك طبقا لقوله تعالى في سياق استنكار عصيان إبليس الأمر الإلهي بالسجود لآدم ” وما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ” وهو علامة على تكريم الله واحتفائه بآدم .
وعند تأويل نص سورة الصافات (من طين لازب) يطرح الطبري مفهوم أن جسد آدم قد خلق من كافة عناصر الطبيعة وهي التراب والماء والهواء والنار وهو المفهوم الذي يربط بين جسد آدم والطبيعة ، وهو ماجاء في التراث التأويلي المبكر وهو المهاد الذي سار عليه الفكر الديني الإسلامي لتأسيس (مفهوم العالم الصغير وصفا للإنسان) وبذلك لم يكن الأمر تأثرا بأفكار فيثاغورس إذ لولا هذه البذور المتأصلة في النص الإسلامي مااستطاع إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري متأثرين بالفكر اليوناني صياغة مفهوم (الإنسان الكبير) للدلالة على الكون و(العالم الصغير) للدلالة على الإنسان .
لقد اعتبر ابن عربي أن الإنسان الكامل المتجلي في آدم والأنبياء كلهم وذروة تجليهم في محمد عليه السلام وعلى ذلك فإن آدم الإنسان الكامل وروح العالم وجلاء مرآته هو علة وجود العالم كما أنه علة حفظه وبقائه فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل وهكذا ربط ابن عربي بين مفهوم الإنسان الكامل ومفهوم الحق المخلوق به .
وتشير كثيرا من النصوص القرآنية الى تسخير السموات والأرض للإنسان فليس غريبا أن ينمو مفهوم الكمال وصفا للإنسان ، يقول ابن عربي : ليس شيء في العالم إلا وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقته (الروح الإلهي) وصورته (جمع جسده لمكونات الكون) .
وإذا كان الطبري قد فسّر الحق بالعدل فإن تأويلات المتصوفة كانت تسبح في مجالات معرفية جعلت الحق مبدأ كليا أشبه باللوغوس عند فلاسفة اليونان أو بالعقل الأول الكلي عند الفلاسفة المسلمين وهذا الحق هو المبدأ الذي انبثق عنه الكون بصورته وحقيقته أي العالم والإنسان .
ولم يكن المفكرون الإسلاميون مغالين حين اعتبروا – الكلمة – كن . مبدأ الخلق وهذه الكلمة قد تكون ( الحق المخلوق به ) أو ( الإنسان الكامل ) أو ( حقيقة الحقائق الكلية ). وتتعدد الأسماء والمسمى واحد .
عبد الهادي محيسن … كاتب وباحث .