الكرة الآن في ملعب اللبنانيين حكاماً ومعارضة: ماكرون.. لاءات ومبادرة وفرصة للانقاذ – كتب المحرر السياسي للشــراع خاص الشراع 10 آب 2020

الكرة الآن في ملعب اللبنانيين حكاماً ومعارضة: ماكرون.. لاءات ومبادرة وفرصة للانقاذ – كتب المحرر السياسي للشــراع

خاص الشراع 10 آب 2020

باريس فرملت محاولة جرت للدفع باتجاه استقالة نواب “المستقبل” و”الاشتراكي” و”القوات”

ماكرون رفض الاجتماع بشكل منفصل مع 8 و14 اذار واصر على اللقاء الجامع

لقاء نوعي “على الواقف” بين ماكرون ورعد يحمل رسائل للداخل والخارج

فرنسا تتبنى اولويات اللبنانيين لمعالجة الازمات الخانقة ومكافحة الفساد

مناخات جديدة خلقها ماكرون المدعوم دولياً واميركيا ًكسراً للحصار ولاعادة الحياة الى لبنان

ترامب سلم لماكرون بخطأه في التعاطي مع لبنان ومحاصرته

ابرز ما يتم العمل عليه هو حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري

هل يساعد اللبنانيون أنفسهم بالخروج من دوامة الشروط والشروط المضادة في تشكيل الحكومة الجديدة؟

كتب المحرر السياسي لـ”الشراع”
اللقاء “على الواقف” بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد ، لم يكن الحدث الوحيد الذي شهده قصر الصنوبر الخميس الماضي بعد يومين على الفاجعة غير المسبوقة التي ضربت بيروت ولبنان ، فثمة محطات بارزة ويمكن القول انها لافتة ومعبرة ، يمكن البناء عليها من اجل الحكم على وجهة المسار الذي سيسلكه الوضع في لبنان .
وقد أتيح ل”الشراع” رصد بعض تلك المحطات النوعية التي يمكن البناء عليها كمؤشر لما ينتظر البلاد سياسياً حتى يبنى على الشيء مقتضاه. وابرز تلك المحطات ما يلي:
اولاً: ان تحركات سياسية حصلت بعد الانفجار- الزلزال في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت ، من اجل بلورة مواقف تصعيدية معارضة، ومن بينها زيارة قام بها النائب السابق وليد جنبلاط الى بيت الوسط حيث التقى الرئيس سعد الحريري للبحث في امكان إقدام عدد من الاطراف في مقدمتها كتلة المستقبل وكتلة اللقاء الديمقراطي وكتلة القوات اللبنانية على تقديم استقالة جماعية لنواب هذه الكتل ، على ان تكون القوى الثلاث، وهي من مكونات قوى الرابع عشر من اذار، الحجر الاساس من اجل نقل البلاد من المرحلة الحالية الى مرحلة جديدة على غرار ما حصل في اعقاب استهداف الرئيس المظلوم رفيق الحريري في 14 شباط – فبراير عام 2005.
الجواب جاء سريعاً ومن العاصمة الفرنسية برفض هذه الخطوة وضرورة تكاتف كل القوى اللبنانية من اجل معالجة الموقف ، واعادة النهوض بالبلاد وفق قواعد وأسس عبر عنها الرئيس ماكرون بوضوح لدى زيارته للبنان حين تحدث عن التكاتف والاصلاح ووأد الفساد.
وقد أدى الموقف الفرنسي بما يعبر عنه من مناخات جديدة ازاء لبنان، لاسيما على المستوى الدولي الى فرملة التوجه نحو استقالة جماعية لعدد كبير من النواب، من منطلق ان المطلوب الآن هو معالجة المحنة او الفاجعة الكبيرة التي تلم بلبنان ، وليس الدخول في المزيد من الازمات التي يمكن ان تسبب محناً وفواجع جديدة اكبر واكثر خطورة على لبنان الشعب والوطن والكيان سواء تجسد ذلك في انقسامات او حالات غير مسبوقة من الفوضى او حتى الوقوع في افخاخ حرب داخلية طالما عانى منها اللبنانيون بين عامي 1975 و1990.
وهذا الامر وضع ماكرون ما يشبه الخطوط الحمر الدولية امام امكان حدوثه , من دون اسقاط فكرة اجراء انتخابات نيابية مبكرةاذا كانت متاحة – وهي غير متاحة – في هذه الظروف ، الامر الذي حاول رئيس الحكومة حسان دياب بشكل غير موفق تلقفه من خلال تقديم نفسه كأحد الدعاة لاجراء هذه الانتخابات في محاولة بائسة منه لابعاد المسؤولية عنه كرئيس للسلطة التنفيذية ورميها في ملعب السلطة التشريعية.
والمفارقة العجيبة الغريبة هو ان رئيس واعضاء الحكومة لم يدركوا بعد انها باتت جثة هامدة ، وانها كانت في الاساس في حالة موت سريري والمطلوب رحيلها امس قبل اليوم وليس اليوم قبل الغد، وان كل ما يقال عن ان بديلها هو الفراغ ليس حقيقيا كونها تمثل الفراغ ولا شيء الا الفراغ كما يرى الاكثرية الساحقة من اللبنانيين.
ثانياً: جرت محاولات من اجل تعديل الصيغة التي جرى من خلالها الدعوة الى عقد لقاء قصر الصنوبر بين ماكرون وممثلي التكتلات والكتل النيابية – السياسية البارزة في لبنان. وعلى رأس تلك المحاولات الطلب بان يعقد الرئيس الفرنسي اجتماعين منفصلين في المقر الفرنسي المذكور. الاول لقادة وممثلي قوى الرابع عشر من اذار والثاني لممثلي قوى الثامن من اذار ، الا ان ماكرون رفض وأصر على ان يكون اللقاء واحداً وبمعنى اخر جامعاً ,رافضاً التعاطي مع الاطياف اللبنانية وفق الاصطفافات السابقة او وفق اصطفافات جديدة، خصوصاً وانه توّج عمله هذا بالدعوة الى عقد جديد وبالتالي الى حكومة جامعة ومتكاتفة ومتضامنة.
وبهذا الشكل بدا ماكرون اكثر حرصاً من بعض الاطراف على جمع كل التناقضات اللبنانية ، ووضعها امام الخيارات التي لا بد من اعتمادها من اجل الخروج من المحنة الكبيرة التي يمر بها، وأولها التعاضد والتكاتف والوحدة ، فضلاً عن الواقعية ، وذلك في مواجهة تسعير وتأجيج السجالات والخلافات التي لا تؤدي الا الى المزيد من الانقسامات التي تهدد ليس فقط النسيج الوطني اللبناني بل وتضع الكيان اللبناني في مواجهة أخطار غير مسبوقة.
ثالثاً: لم يعر الرئيس الفرنسي اهتماماً لما كان ينتظره منه عدد من الاطراف حيال عدد من المواضيع والملفات وبينها سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية، حتى انه في اجتماع قصر الصنوبر لم يعلق على مداخلة احد مسؤولي الاحزاب بهذا الشأن وتجاهل الرد عليها، متحدثا صراحة عن اولويات هي في الاساس أولويات الشعب اللبناني الطامح الى مكافحة الفساد واعتماد الاصلاح الحقيقي من اجل معالجة ما يمر به لبنان من أزمات خانقة وغير مسبوقة ومن اجل الانطلاق نحو بناء دولة تحمي ابناءها وتؤمن لهم ابسط الواجبات المطلوبة منها، سواء على صعيد الخدمات من كهرباء وماء واتصالات وفرص عمل او على صعيد تحقيق الاستقرار في كل جوانبه المعيشية والامنية والاقتصادية والاجتماعية.
وحسب احد المراقبين فان ماكرون تعمد عدم اغراق النقاش وبالتالي البلاد في المواضيع الخلافية الكبرى، وركز على ما يمكن انجازه وتحقيقه ، خصوصاً وان المواضيع الخلافية تلك لا يمكن حسمها في مثل هذه الاجتماعات وهي اسيرة معادلات خارجية اقليمية ودولية لم تتوافر ظروفها بعد من خلال ترتيبات اوسع وأعم تشمل الاقليم وربما العالم.
وبهذا المعنى فان ماكرون ركز على كل ما يمكن ان يجمع اللبنانيين وكل ما يمكن ان يكون لديهم القدرة على تحقيقه ، ولذلك فان لسان حاله كان :”ساعدوا انفسكم من اجل ان نساعدكم”، وقد كرر الرئيس الفرنسي هذه المفردات بشكل لافت ومتعمد.
رابعاً: اللقاء على الواقف بين ماكرون ورعد، هو من بين اكثر المحطات البارزة لا بل المحطة الأبرز في لقاء قصر الصنوبر، خصوصا وانه يأتي بعد اللقاء بين وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان مع نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم والوزير السابق محمد فنيش خلال زيارة رئيس الدبلوماسية الفرنسية الاخيرة الى لبنان، وقبل فاجعة الرابع من الشهر الحالي.
واذا كان ما استدعى هذا اللقاء الذي تعمد ماكرون توجيه رسائل عديدة للداخل اللبناني وخارجه من خلال حدوثه بهذا الشكل، فان ما دار فيه يبقى ملك الطرفين ، علماً ان ما فهم حوله هو ان الرئيس الفرنسي اثنى على كلمة رعد خلال اللقاء الموسع ولاسيما ما يتعلق منها بوجوب مكافحة الفساد والذي قال انه جزء تاريخي من النظام السياسي في لبنان ، وان كل طائفة تحمي فاسديها.
وبالمناسبة فقد كان لرعد كلمة وصفت بانها غير عادية، خصوصاً عندما تحدث عن ان كل فريق يرى ازمة البلد من منظاره ومنظار مصالحه، ولايوجد مقاربة وطنية شاملة ، حتى يقف الجميع كتفاً الى كتف امام التحدي الذي نعيشه. اضاف ان حزب الله لم يكن موجوداً في اتفاق الطائف الا انه متمسك به على الرغم من ان اهل الاتفاق يتبنونه نظرياً ولا يطبقوه عملياً ، فأين هو بند الغاء الطائفية السياسية من اجل بناء الدولة المدنية . معتبراً ان تطبيق الطائف هو بداية الحل الحقيقي لازمة البلد.
واكد رعد ان الحزب من خلال رؤيته عمل ويعمل في مواجهة الاخطار بشقيها: الاول يتعلق بالاحتلال الاسرائيلي واطماعه، وهو خطر مستمر لا يمكن تجاهله، والثاني هو الخطر التكفيري على لبنان ، علما – كما اضاف رعد – ان بعض القوى السياسية في لبنان لا مانع عندها من محاباة الارهاب من اجل المحافظة على وجودها ومصالحها.
خامساً: ان ماكرون في تحركه الذي واصله باللقاء الدولي الاحد الماضي عبر تقنية “الفيديو كول” وسيستكمله بزيارة اخرى الى لبنان سيقوم بها بعد اقل من ثلاثة اسابيع في مطلع شهر ايلول – سبتمبر المقبل ، لم يكن في تحركه هذا ممثلاً لبلاده فقط على أهمية ما تمثله في العالم ، بل كان ممثلا لارادة دولية واسعة .
وجاء الاتصال الذي اجراه بعد عودته من لبنان مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب ليؤكد الطابع الدولي الذي يطبع تحركه.وهذا الاتصال الذي سلم فيه ترامب بانه اخطأ في طريقة تعاطيه السابقة مع لبنان, خصوصا بعد ان نبهه ماكرون وفق معلومات “الشراع” من ان الاستمرار في فرض الضغوط على لبنان سيؤدي الى سيطرة حزب الله وايران عليه.وحسب مصدر واسع الاطلاع فان باريس اجرت اتصالات على مستوى رفيع شملت عواصم بارزة ومؤثرة دوليا واقليميا ومن ضمنها دول عربية وطهران من اجل تأمين مظلة دعم ومساندة واسعة لتحرك رئيسها.
ولهذا السبب فان زيارة ماكرون وفي التوقيت الذي اختاره تشير الى بداية توجه دولي جديد، من اجل خلق مناخات جديدة مختلفة عن مناخات الضغوط والحصار التي كانت مفروضة على لبنان منذ اكثر من سنة.
توجه دولي جديد أمن له ماكرون الضوء الاخضر الاميركي ، يرمي الى عدم السماح بانهيار البلاد ودفعها الى الفوضى والاحتضار والحروب والتحول الى ساحة من ساحات الصراعات المحتدمة عسكرياً في المنطقة، وان كان المشهد لم يتبلور بعد بكامل ابعاده للقول بان البلاد ذاهبة باتجاه الحل المنشود.
توجه دولي جديد، يرمي الى الخروج من الازمة القائمة ، بداية من خلال حكومة وحدة وطنية من المرجح حتى الان انها ستكون برئاسة الرئيس سعد الحريري وبموافقة ان لم نقل بدعم الثنائي الشيعي تعبيراً عن ان لبنان ليس ساحة صراع مذهبي ، وتحظى ايضا بموافقة الاطراف المسيحية الوازنة وعلى رأسها فريق التيار الوطني الحر الموجود في الحكم والقوات اللبنانية والمردة وكذلك بموافقة المختارة .
وهذه الحكومة-اذا قيض لها ان تولد – ستلتزم العمل امام العالم ومؤسساته من اجل معالجة كم الازمات المتراكم وفي مقدمتها تأمين الخدمات الاساسية وعلى رأسها الكهرباء والعمل لاستعادة الليرة اللبنانية ما يمكن استعادته من قيمتها، وتنفيذ برنامج اصلاحي فعلي عملي وحقيقي بعيداً عن الدعاية والشعارات … الخ.
واذا كان الحكم على تشكيل مثل هذه الحكومة سيتم من منطلق المعايير السابقة التي كانت تؤخر ولادتها لفترة طويلة بفعل الشروط والشروط المضادة، ف”العوض بسلامتكم” كما علق احد السياسيين المخضرمين ، اما اذا كانت المعايير التي ستعتمد جديدة في تقديمها العام على الخاص وفي تغليب منطق التعاون والتكاتف والوحدة والمصلحة الوطنية، فان بصيص أمل يمكن رؤيته وهو ما يعززه المظلة الدولية ولا شك العربية والاقليمية التي اصبحت متوافرة للبنان والتي ينبغي على مسؤوليه وطبقته السياسية بمختلف اطيافها اغتنام ما تتيحه من فرص قد تكون الاخيرة امام بلد منكوب كوطن وشعب ومؤسسات.
ولهذه الاسباب مجتمعة فان زيارة ماكرون للبنان اكبر من زيارة دعم عادية، وتكاد تكون اذا احسنت الاطراف اللبنانية بكل مكوناتها واطيافها مقدمة لعقد جديد بينهم يؤسس لمئوية جديدة للبلاد في الذكرى الاولى للمئوية الاولى لولادة لبنان الكبير التي نحتفل بها وسط المآسي والنكبات التي نعيشها.