السعودية تحمي أمنها بالسيطرة على باب المندب /كتب رئيس تحرير صحيفة اللواء صلاح سلام
الهجوم السعودي الراهن في اليمن ليس مجرد جولة جديدة في حرب استنزفت اليمنيين والمنطقة، بل رسالة سياسية وعسكرية واضحة بأن زمن استباحة الأمن السعودي وتهديد الممرات الاستراتيجية قد بلغ حدًا لا يمكن معه الاستمرار في سياسة ضبط النفس بلا نهاية. فبدعم جوي سعودي مكثف، تقدمت القوات الحكومية اليمنية في هجوم واسع لإستعادة المواقع التي انتزعها الحوثيون أخيرًا على الساحل الغربي، وتمكنت من استعادة مناطق استراتيجية حول باب المندب، بما في ذلك مواقع مشرفة على المضيق، فيما أعلنت الرياض توفير الحماية الجوية لهذا الممر البحري الحيوي.
وتكمن أهمية التطور الأخير بأن السعودية لم تعد تكتفي بالدفاع عن أراضيها ومنشآتها النفطية، بل تتحرك لمنع تحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز في يد جماعة مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران. فالمضيق ليس قطعة جغرافية هامشية في اليمن، وإنما أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأي محاولة لفرض السيطرة العسكرية عليه أو تهديد الملاحة من خلاله تتجاوز حدود الصراع اليمني لتطال أمن الطاقة والتجارة الدولية.
لقد استنفدت الرياض، خلال سنوات، مساحة واسعة من الصبر السياسي والعسكري، بينما واصل الحوثيون استهداف البنية التحتية السعودية وتهديد المصالح الحيوية للمملكة. وفي المقابل، جاء الهجوم الحالي ليقول إن الدفاع عن أمن السعودية لم يعد موقفًا سلبيًا يقتصر على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وإنما أصبح فعلًا عسكريًا يهدف إلى استهداف وتغيير البيئة التي تنطلق منها التهديدات.
المعركة إذن ليست مع اليمن ولا مع الشعب اليمني، بل مع مشروع يحاول أن يجعل من اليمن منصة للصراع الإقليمي، ومن باب المندب أداة ضغط على العالم، ومن المنشآت السعودية أهدافًا مفتوحة. أما الشعب اليمني، فهو أول ضحايا هذا المسار، وأولى مصالحه أن يستعيد دولته وقراره وسيادته.
وفي هذا الإطار، يجب قراءة الهجوم السعودي الراهن ضمن معادلة أوسع: حماية أمن المملكة، تأمين الملاحة الدولية، ودعم الدولة اليمنية في استعادة المناطق التي فقدتها أمام الحوثيين. وهذه معركة لا تختزل في حسابات عسكرية آنية، بل تتعلق بمن يملك قرار اليمن، ومن يملك حق التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
والرسالة الأوضح من كل ذلك أن باب المندب ليس ملكًا لجماعة مسلحة، واليمن ليس ساحة مفتوحة لحسابات الخارج، وأمن المملكة العربية السعودية ليس ورقة تفاوض، ومنشآتها الحيوية ليست أهدافًا مشروعة، وسيادتها ليست مساحة مفتوحة لإختبار الصواريخ والمسيَّرات. ومن يصرُّ على استهدافها عليه أن يدرك أن للصبر حدودًا، وأن للدولة حقًا أصيلًا في الدفاع عن أرضها وشعبها ومصالحها. أما اليمن، فلن يستعيد عافيته بتحويله إلى ذراع في صراع إقليمي؛ بل باستعادة قراره الوطني، وإنهاء منطق السلاح خارج الدولة، وفتح الطريق أمام سلام يحفظ لليمن سيادته وللسعودية أمنها.
ليست دعوة إلى الحرب، بل رسالة حاسمة إلى كل من يراهن على أن ضبط النفس السعودي يعني العجز: المملكة تعرف كيف تصبر، لكنها تعرف أيضًا كيف تحمي أمنها عندما تُستنفد كل حدود الصبر.