المركزالثقافي الإسلامي بيروت /إرفعوا أيديكم عن دار الفتوى/ بقلم الأستاذ صلاح سلام
لم يعد ما يجري حول دار الفتوى مجرد خلاف قانوني قابل للأخذ والرد، ولا اجتهاداً بريئاً في تفسير نص تنظيمي، بل تحوّل إلى هجمة سياسية وإعلامية منظمة تستهدف أعلى مرجعية إسلامية سنية في لبنان، وتحاول النيل من مقام مفتي الجمهورية عبر التشهير والتسريبات والضغوط. وقد بلغت هذه الحملة ذروة الوقاحة بتسريب خلاصة مطالعة قاضية مقررة في مجلس شورى الدولة، قبل أن تقول الهيئة الحاكمة كلمتها النهائية، وكأن المطلوب إصدار الحكم في غرف الإعلام قبل صدوره في قاعة القضاء .
هذا التسريب ليس تفصيلاً إجرائياً يمكن المرور عليه بصمت. إنه فضيحة موصوفة تستوجب التحقيق والمحاسبة: من سرّب المطالعة؟ ولمصلحة من؟ ومن أراد استخدامها رصاصة سياسية لإسقاط مقام ديني وطني؟ فالمطالعة ليست حكماً، والقاضية المقررة ليست الهيئة الحاكمة، وتحويل رأي تمهيدي إلى قرار نهائي، ثم بناء سيناريوهات الشغور والخلافة عليه، هو اغتيال معنوي متعمد، ومحاولة لفرض أمر واقع بقوة الضجيج والافتراء.
دار الفتوى ليست ملكاً لشخص، لكنها بالتأكيد ليست أرضاً سائبة للمغامرين والعابثين. إنها مرجعية طائفة كبرى مؤسسة للكيان اللبناني، وشريك أصيل في صياغة الميثاق وحماية الدولة والعيش المشترك. والتطاول عليها ليس انتقاداً إدارياً، ولا ممارسة ديمقراطية، بل ضرب للتوازن الوطني الدقيق، وفتح لباب فتنوي قد يعرف مطلقوه كيف يبدأ، لكنهم لن يستطيعوا قطعاً التحكم بنهاياته.
لقد منح المرسوم الاشتراعي رقم 18 لعام 1955 الطائفة الإسلامية السنية استقلالية واضحة في تنظيم شؤونها الدينية والوقفية وإدارة مؤسساتها، وأناط بالمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إصدار الأنظمة والقرارات التي ترعى هذه الشؤون. وهذا الحق ليس هبة من سلطة سياسية، ولا امتيازاً مؤقتاً قابلاً للإلغاء عند تبدّل الأهواء، بل قاعدة قانونية راسخة من قواعد الدولة اللبنانية. ومن يتجاوزها لا يعتدي على دار الفتوى وحدها، بل يتمرد على القانون الذي يتذرع بالدفاع عنه.
نحن لا نطالب بتحصين أي مؤسسة ضد المحاسبة، ولا نعترض على حق التقاضي أو استقلال القضاء. لكن احترام القضاء لا يعني الصمت عن تسريب مطالعاته، ولا يبرر تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. كما أن أي خلل داخل مؤسسة تابعة لدار الفتوى يُعالج، في الأساس، ضمن المؤسسة الأم وأجهزتها الشرعية والرقابية، لا عبر حملات التشهير، ولا باستدراج القضاء الإداري إلى قلب صراعات كان الأجدى حلها داخل البيت الإسلامي.
أما المفلسون سياسياً الذين وجدوا في هذه القضية فرصة لإنعاش أدوارهم الباهتة، فليعلموا أن مقام الإفتاء أكبر من انانياتهم وأحقادهم، وأن دار الفتوى لن تكون جائزة ترضية للفاشلين، ولا ورقة تفاوض بين أصحاب المصالح. والأقلام التي ارتضت أن تتحول إلى أبواق للتحريض لن تصنع شهرة، بل ستسجل على أصحابها أنهم شاركوا في حملة رخيصة استهدفت مرجعية إسلامية وطنية بإمتياز في أخطر ظروف لبنان.
المسؤولية اليوم تقع على عاتق رؤساء الدولة والحكومة والمجلس النيابي، وعلى المرجعيات السياسية والروحية كافة. المطلوب موقف حاسم، لا بيانات رمادية ولا مجاملات باردة، لأن السكوت على استهداف دار الفتوى سابقة ستطال غداً كل مرجعية دينية في لبنان.
ارفعوا أيديكم عن دار الفتوى، وعن مقام مفتي الجمهورية، وعن كرامة الطائفة الإسلامية السنية.
كفى عبثاً بالتوازنات الوطنية، وكفى استخداماً للقضاء والإعلام في حروب النفوذ. فالمساس بهذه المرجعية لن يمرَّ بسلام، ومن يلعب بنار الفتنة عليه أن يدرك أن لبنان لم يعد يحتمل حريقاً إضافياً.