كلمة د. سابا قيصر زريق في الندوة حول بحثه المعنون “الانتماء الى طرابلس: إرتقاءٌ ثقافي” المنظمة من قبل الإتحاد العربي للمرأة المتخصصة بالتعاون مع الجامعة الأميركية للتكنولوجيا والمجلس الثقافي في بلاد جبيل المقامة في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا 18 أيلول 2026

أخواتي وإخواني،

أن تتكلَّمَ عن  شُعورٍ هو وليدُ انتماءٍ إلى مكانٍ وأنتَ في رِحابِ ديارٍ شاخَتْ في عمقِ تاريخِ البشريةِ جَمعاء،  لهَو أمرٌ مُريحٌ كفيلٌ أن يبُعِدَ عنكَ هاجِسَ المُحاباةِ والإنحياز،  إذ أن سُكّانهَا ذاقوا ويذوقُونَ كلَّ يومٍ طَعمَ الحضارةِ والعرَاقة.

 

مُنذُ سَنواتٍ سبعْ لَبَّيْتُ طَلَبَ الجامعةِ اليسوعية الإسهامَ في بَحثٍ باللغةِ الفرنسيةِ حولَ مدينتي طرابلُس ، ضِمن سِلسِلةِ أبحاثٍ نشُِرَتْ في عددٍ خاص أصدرَتْهُ مجلة “Travaux et Jours” عن المدينة. أتاحَتْ لي تلك المناسبةُ أن أ خَرُجَ من جَهالةٍ عُمرُها عُقود، أنا المُتيََّمُ بمدينتي الذي كنتُ أعتقدُ أني أعرِفهُا معرِفةً وافية. إنصرفْتُ إلى أبحاثٍ في عَشَراتِ المؤلَّفاتِ أسَتقَي منها ما سَبَقَني إليه مؤلِّفونَ حول نَواحٍ عديدةٍ من تاريخها ورِجالاتِها. توصَّلْتُ إلى قناعةٍ أن لانتمائي إليها سببٌ خَفِيٌّ، ظاهِرُهُ وَشَلٌ من مُحيطاتٍ باطِنة، لم يَعدُْ من الإنصافِ أن أعزُ وَها إلى العاطفةِ العمياءِ فحسب، لأن طرابلُس هي مدينةُ كلِّ شيءٍ جَميلٍ ومُمَيزَّ.

 

يتناولُ  بحثي مفهومَ الإنتماءِ  إلى الفيحاء،  محاولا ً تفسيرَ العلاقةِ العميقةِ التي تربِطُ أبناءَ المدينةِ بها، إنطلاقاً من ترُاثِها الثقافي الغَنيّ وُصولاً إلى ما أطلقْتُ عليه تسميةَ “التراثِ  العاطِفي”، الذي جعلَ من طرابلُس جزءًا من هُويةِ أبنائِها وذاكرتِهمِ ووُجدانِهم.

 

الفصل الأول –  تراث طرابلُس الثقافي  

 

أولاً: طرابلُس مدينة ُ التاريخِ والثقافاتِ المتعدِدة

 

يمتد تاريخُ   طرابلُس  لأكثرِ   من سبعةٍ   وعشرينَ   قرنا؛ً كانتْ خلالهُم مُلتقىً لثقافاتٍ وحضاراتٍ مُتعّدِدة. فمنذ ُ نشأ تَِها الفينيقية،  تعَاقَبَ عليها الفرُْ س والإغريقُ والرومان، ومن ثم اكتسبَتْ  هُويتهَا العربية، قبل أن  تصُبحَ في العهدِ الصَّليبي “مقاطعة َ –  دولةٍ مشرِقية  .”إستعادهَا  المَماليكُ  سنة 1289، ثم انتقلَتْ  إلى

الحُكمِ  العثُماني الذي استمرَّ  حتى نهايةِ  الحربِ  العالميةِ  الأولى .

 

ولم يكُنْ  مُرورُ  هذه الحضاراتِ  مجرَّد َ تعاقبٍُ  سياسي ٍ على المدينة، بل كان لكلٍّ  منها أثرٌ في تكوينهِا الحَضاري والمِعماري والثقافي. وقد استطاعَتْ  طرابلُس، على امتدادِ  تاريخِها، أن تستوعِبَ إسهاماتِ  الشعوبِ  المختلفةِ  التي مرَّ تْ بها، وأن  تحُوِّ لَ هذا التنو عَ  إلى ثروةٍ  ثقافيةٍ  مُتراكِمة. ولذلك بد تَِ المدينة ُ وكأنَّها “إسفنجة ٌ”، تمتص  ما يَمر  بها من مؤ ثِرّات ،فَتعيد ُ قَوْلَبَتهَا في وِعائها الخاص.

نَحيا، نتبَعُ ، ننتمَي، نتكَاثر، نموتُ  ونترُكُ وَراءَنا ذرُِّيَتنَا. هذه الذرِّيَةُ هي التي تكَُمِّلُ وتخَُلِّدُ وتكَُوِّنُ ثقافتنَا من خِلالِ آلِيةِ انتقالِ القِيَمِ والمَعاييرِ المُعْتمَدة والتمََّسكِ بالمَبادِىءِ المُجتمَعِيَّةِ التوَّجيهِيَّة. أوليستِ   الثقافةُ مجموعة َ  عاداتٍ وأعَرافٍ واستعِراضاتٍ فَنّيةٍ ودينيّةٍ وفِكريّةٍ وقَناعاتٍ مُشترََكة وَوُجُهاتِ نَظَرٍ وطُرُقِ تقَييمِ الأمورِ؟ ولا يمكنُ  فَهمَ  الثقافةِ  الطرابلُسية بمَعزلٍ  عن موقِعِ  المدينةِ

ود طوَرِ ها الإقتصادي. فقد ساهمَ  كونهُا مدينةً مينائية ً ومركزاً تجارياً مُهماً، إلى جانبِ  غِنى  مِنطقتِها الزراعي وتنو عِ  مُنتجا تِها، في ازدهار الحركةِ  الاقتصاديةِ

والصِّناعية فيها، وكان لهذا الازدهار أثرٌ  مباَشَرٌ  في التعليمِ  والثقافة. وبلغَتِ الحياة ُ العِلمية ُ  والفِكرية ُ في المدينة  ذرُوتهَا،   خصوصاً  بين  القرنِ العاشر والقرن الثاني عشر، بعدما تطوَّرَ تِ  الدِرّاساتُ  لتشمُلَ  الديّنَ  واللغة َ والأدبَ  والشعرَ  والتاريخَ  والهندسة َ والفلكَ

والطبَّ وغيرَ ها من ميادينِ  المعرفةِ .

 

ثانيا: مكوناتُ  التراثِ  الثقافي ا لطرابلُسي

يتكوَّنُ  التراثُ الثقافي لطرابلُس من عناصرَ  مترابطةٍ  ومتداخِلةٍ  هي بمثابةِ أدواتٍ لحِفظِ  الذاكرةِ الطرابلُسية والتعبيرِ  عن  خُصوصيّةِ  المدينة .

 

  1. الثروة ُ اللغوية

تحَتل   اللغة ُ  مكانة ً  أساسية ً  في الهُويةِ   الثقافية.   عزَّزَتِ  اللغة ُ  العربية ُ  ارتبا طَ  طرابلُس   بالعالَمِ العربي. وفي الوقتِ   نفسهِ ، أتاحَ   انفتاحُ   المدينةِ   على التجارِ   والزائرينَ   من مُختلَفِ  البُلدا نِ لسكّا نِها اكتسابَ  لغُاتٍ   أخرى، ولا سيما الفرنسية، في مرحلةٍ  مُبكِرة  ،تلََتهْا  الإنكليزية ُ  في مراحلَ  لاحقة.

 

  1. الثروة ُ الأدبية

يَظهرُ  غِنى طرابلُس الأدبي في  نِتاجِ  شعرا ئِها  وناثِريها وصِحافيّيها .

  • فقد مثلََّ الشعراءُ    الطرابلُسيون مدينتهَم في أعمالٍ ذاتِ  قيمةٍ  أدبيةٍ  رفيعة. كما أصبحَتْ

قصائِدهُم في كثيرٍ  من الأحيانِ  وثائِقَ  تعكِسُ  الظروفَ  الإجتماعية َ والسياسية َ التي عاَشَتْها المدينة. ولم يقتصِرِ  الشِّعرُ  على العربية، إذ برزَ  أيضاً شعراءٌ  طرابلُسيون باللغةِ الفرنسية، حققََّ  بعضُهُم  حُضوراً بارزاً في العالَمِ

الفَرَ نْكوفوني .

 

  • كما ازدهرَ النثرُ ، ولا سيما منذ منتصَ فِ  القرنِ  التاسِع عشر ، تنو عَّتْ  مَجالا ته بين الرِوايةِ

والبَحثِ  والفلسفةِ  والنَّقدِ  والسيرةِ  والتاريخِ  والسياسةِ  والاجتماع ِ والعلومِ  الإنسانيةِ  وغيرِ ها. وبعد َ الحربِ  العالميةِ  الثانية ،ازداد َ عددُ المؤلِّفين بالعربية  كما  بالفرنسية.

 

  • أما  الصحافةُ، فقد لعِبَتْ   د وَراً مُهِماً في نشرِ  الثقافةِ  و توَثيقِ  الحياةِ المحَلّية. صد رََ تْ  أولُ جريدةٍ  طرابلُسية” ،طرابُلس الشام”، سنة 1893؛ ثم تتا بَعَ  ظهورُ  عددٍ  كبيرٍ  من الصّحفِ والمجّلات، إلى جانبِ  منشوراتِ  الجمعياتِ  والأنديةِ  والنِقّابات. وأسهمَ  انتشارُ  المطابعِ  في تعزيزِ  هذه الحركة، ولا سيّما بعد تأسيسِ  مطبعةِ  “البَلاغة” سنة 1889.   

 

  1. الثروة ُ الفنية

 

عرَ فَتْ  طرابلُس  نشاطاً فنياً واسِعاً شمَلَ  الفنونَ  التشكيلية والموسيقى والمسر حَ والسينما والخطّ

والكاريكاتور .

 

  • في مجالِ الفن التشكيلي ، برزَ  عدد ٌ من الفَنانين منذ ُ بداياتِ  القرنِ العشرين، ثم أسّسَ فَنانون

بارزون سنة 1974 “مجموعة العشرة”، تلََتهْا سنة 2004 جمعية “بوزار للثقافة والتطور. – وفي الغناء والموسيقي ، بر زَ في مُنتصفِ  القرنِ العشرين، عدد ٌ من المُطربينَ  والموسيقيين الطرابلُسيين، من بينِهِم سهام الأفيوني ،المعروفة بإسمِها الفني “سهام رِ فقي “، وأخوها غير

الشقيق، أحمد سالم، اللذيَن هاجرا إلى مِصر حيث برعا في آدائهما. كما اشتهرَتْ عائلاتٌ فنية ٌ  طرابلُسية  مثل عائلتيَ بندلي وطُنْب  . وفي المدينةِ  ظهرَ   ملحِّنون وموسيقيون  حقَّقا نجاحاتٍ لافتة في لبنان والعالم، أذكرُ  منهم على سبيلِ المثالِ ليس ألا، عبد الحق المصري

وهتاف خوري وغيرَ هما. وتؤكِّدُ هذه التجارب أن الموهَبة َ الطرابلُسية لم  تبَْقَ  محصورة ً في المدينة، بل تمكَّنَتْ  من وُلوجِ الساحتيَنِ  العربية والدولية.

 

  • أما المسرحُ ، فقد سبقَ ظهورَه ُ الحديث تقليدُ الحكواتي الذي كان يروي القِصَصَ  الشعبية َ في

المقاهي. ودخلَ  المسرحُ  إلى طرابلُس في القرنِ  التاسع عشر. وكان لمسرحِ  “الإنجا” دورٌ أساس في  تحريكِ  الحياةِ  المسرحية  في طرابلُس. كما برز نزار ميقاتي في أعماله المسر حية ، وحقَّقَ  صلاح تيزاني، المعر وف بـ “أبو سليم”، نجاحاً واسعاً من خلال المسرحِ  الكوميدي

ذاتِ  الطابعِ  المَحَلّي.

 

  • وفي السينما،  برَزَ   المخرج  جورج نصر بوصفِهِ   رائداً في السينما اللبنانية ؛  كما حقَّقَتِ المخرجة  رندا شهال حُضوراً عالَمياً.   فيما تخصَّصَ المخرج  حسام خياط في إنتاجِ   أفلامٍ وتقاريرَ  عن المدينة. و يُشيرُ  البحثُ  إلى أن تراجُعَ  عددِ  صالاتِ  السينما العاملة في طرابلُس، إلى  حَدِّ انقراضِها )صالة واحدة تعمل حالياً(،   يشكِّلُ   خَسار ةً لأحدِ  مظاهِ رِ الحياةِ  الثقافية،بعدما كان عد دَهُا قد تجاوزَ  الثلاثين سنة 1970.

 

  • وكذلك، عرَفَتْ  طرابلُس  فنَّ  الخطِ والكاريكاتور.
  • وكان الخط جزءً ا من الفنونِ  التقليديةِ  التي استخُدِمَتْ  على الخََشَبِ  والخََزَ فِ  والرخامِ

والمعادنِ  والقماشِ  والورق؛

  • فيما تحوَّلَ الكاريكاتور إلى وسيلةٍ  للتعبيرِ  عن النقدِ  الإجتماعي والسياسي  .

 

  1. الثروة المِعمارية

تعكِسُ   عَمارة ُ  طرابلُس   تاريخَ   حِقباتهِا المتعاقِبة.  فقد تركَ   الصَّليبيونَ  قلعة َ طرابلُس  الشهيرة وغيرَ ها من المُ نشآتِ  الدِفّاعية. كما تركَ  الممَاليكُ  إرثاً مِعمارياً واسعاً، يعَُد  من أبرزِ  سِماتِ المدينة، يتمَّثلُ  في المسا جِدِ

والمآذِنِ  والقِبابِ  والأقبيةِ  والحِجارةِ  المنحوتةِ  والزَّخارِفِ  والخَطِّ العربي،  جاعِلاً منها ثاني  أهم  مدينةٍ   مملوكيةٍ   من حيثُ  الأثرِ   المِعماري بعد القاهرة.  أما

العثمانيون، فتركوا بدوَرِ هِم عدداً من المساجدِ   والبيوتِ   والأسواقِ   والخاناتِ   والحَمَّامات،

بالإضافة إلى ساعةِ  التلَِّ  الشهيرة. وهكذا تحوَّ لَتِ  العِمارةُ إلى سِجلٍّ  حَيّ ٍ لتاريخِ  المدينةِ  وتفاعُلِ

الحضاراتِ  التي مرَّ تْ  بها .

 

 

  1. الثروة ُ الدينية

 

تميَّزَ تْ  طرابلُس  بتعد د ُ طوائِفِها الدينية وتعا يُشِها. فقد عاَشَتْ  فيها طوائفُ  إسلامية ٌ ومسيحية ٌ

وأسهَمَ  هذا التن وعُ  في تبا دلٍُ  ثقافي ٍ وفِكري ٍ مُهِم. كما كان للتربيةِ  التي وفَّرَ تْها الإرسالياتُ  الدينية ُالأجنبية، إلى جانبِ  المؤسساتِ  العِلمانية، أثرٌ  في الحياةِ  التعليميةِ  والثقافية.

 

ولم يقتصِرِ  النِتاجُ الفِكري  الديني والثقافي على العلماءِ   المسلمين،  بل شاركَ  فيه أيضاً طرابلُسيون من غيرِ  المسلمين؛ وإن بقِيَ  قِسمٌ  من مؤ لَّفاتِهم مخطوطاً، لم يُنشَرْ  منهُ إلا القليل.

ويؤكِّد ُ هذا التعددُ أن الثقافة َ الطرابلُسية هي فعلاً نتا جُ تفاعُلٍ  بين جماعاتٍ  دينيةٍ  مختلفة .

 

  1. الثروة ُ الحِر فية

تظهرُ  الحِرَ فُ  التقليدية ُ بصورةٍ  واضحة في أسواقِ  طرابلُس القديمة، حيث حافظَ  الحِرَ فيون على مِهَنٍ

وَرِثوها عن آبائِهم وأجدادِ هم. ويبرُ زُ  خصوصاً العملُ  بالنحاسِ  والخشبِ  وتحويلِهما إلى أدواتٍ  و تحَُفٍ  وأثاث، إضافةً إلى صناعةِ  الصابون ذات الباعِ الطويلِ  في المدينة. و تمُثِلُّ هذه الحِرَ ف إمتداداً عَمَلياً للتراثِ  الثقافي، وهي تنقلُُ  المعرفة َ والخِبر ةَ من جيلٍ إلى جيل.

 

 

 

ثالثاً: وسائلُ نشرِ  الثقافة

لا يكفي وجو دُ الثقافةِ  لكي تستمر، فهي تحتاجُ  إلى مؤسساتٍ  ووسائلَ  تنقلُهُا من جيلٍ  إلى آَخَر. وقد

تعَّددَتْ  في طرابلُس وسائلُ  نشرِ الثقافة، وإزداد تَْفاعلِيِتهُا مع تطورِ  وسائلِ  الإتصالِ  والتواصٌل:

 

  • كان التعليمُ   في بدايتِهِ   مرتبطاً بالمدارسِ   القرآنيةِ   التي احتضَنَ تْها المساجد، ثم تطوَّرَ  مع

المدارسِ  المملوكيةِ  والعُثمانية. وفي النِّصفِ  الثاني من القرنِ  التاسعِ  عشر، شهِد تَْ  طرابلُس نهضة ً  تعليميةً  مع إنشاءِ   المدارسِ   الرسمية.  ثم ظهرَ تْ   مدارسُ   الإرسالياتِ   الأجنبية، والمدارسُ   الإسلاميةِ   والخاصة.  وفي العقُودِ   الأخيرة، إلى الجامعةِ   اللبنانية،  تعاظمَ  عدد ُ الجامعاتِ  الخاصة وفروعِها في المدينة .

 

  • وإلى جانبِ المؤسساتِ  التعليمية، أصبحَتْ  طرابلُس  فضاءً غنياً بالنشاطاتِ  الثقافية. فقد نشأ تَْ جمعياتٌ  ومراكزُ ثقافية عديدة، ومنها التابعة للسفاراتِ  الأجنبيةِ  في لبنان. وشملَتْ  نشاطاتهُا المحاضراتِ  وندواتِ  توقيعِ  الكُ تبُ و وُرَش العَمَلِ  والمسرحياتِ  والمعارضِ  الفنيةِ  ومعارضِ الكُتبُ.  كما أدتَِّ  المكتباتُ  الخاصة ُ والعامَّة ُ  وكذلك  دوُرُ  النشرِ  دوَراً في حِفظِ  المعرفةِ ونشرِ ها وإتاحتهِا للجمهورِ  العريض .

 

 

 

الفصل الثاني: تراث طرابلُس العاطفي ومسألة الإنتماء

 

ينتقلُ  البحثُ  من الحديثِ  عن التراثِ  الثقافي، الماديّ ِ الطبيعة، إلى مفهومٍ  أكثر خصوصيةٍ  هو ما أطلقْتُ  عليه تسمية “التراث العاطفي”. والمقصودُ به ذلك الجانبُ  غيرُ  الملموسِ  من علاقة ِالإنسانِ بالمكان، والذي جسَّد هَ ُ طرابلُسيون في أدبِهِم وصلاتهم وفَنِّهِم. فالكاتبُ  أو الفَنانُ  يستطيعُ  من خلالِ عَمَ لِهِ  التعبيرَ  عن حبِّهِ  للمكانِ  وتعلقِهِ  به بطريقةٍ  قد  يعجَزُ  اللسانُ  عن نقلِها.

 

أولاً:  سِماتُ  الإنتماء

الإنتماءُ  الحقيقي،  وَفْقَ  البحث، لا يقومُ  على مجرَّ دِ  العَيشِ  في مكانٍ  أو الإنتسابِ  إليه في السجلاتِ

الرسمية، بل يتطَّلبُ  أن  يُصبحَ  المكانُ  جِزءً ا من الإنسان، وأن يسكُنَ  شيئاً منه ُ في دا خِلِه. ومن هنا،

يصبحُ   الإنتماءُ   شعوراً شخصياً يتجاوزُ   الإنتماءَ   الإداري أو القانوني، ويرتبطُ   بالهُويةِ   والقِيَمِ والذاكرةِ  والتجربةِ  الشّخصيةِ  والجَماعية.

 

ثانياً: طبيعة ُ الإنتماء إلى طرابلُس 

يبد أُ  الإنتماءُ   بصورةٍ   مفروضَة، بحُكمِ   الوِ لادةِ  والأسُرةِ   والبيئة ؛   لكنه  من الممكن  أن يتحوّلَ   مع

نُضجِ  الإنسانِ  إلى اختيارٍ  واعٍ آ خَر . فبذلك يختلِفُ  الإنتماءُ  العاطِفي عن مجرَّ دِ  الإ نتسابِ  المَدنَي، لأن الأولَ  لا ير تِبُّ  على المنتمين حقوقاً، بل يعزّزُ شعورَهُ بالأمانِ  والتضامُنِ  والحياةِ  المشترَ كَة داخلَ  الجَماعة.

 

ثالثاً: أعراضُ  الإنتماء 

 

أجَِدُ أنََّ اسْتِخْداَمَ تعَْبِيرِ “أعَْرَاضٍ”، فيِ سِيَاقِنَا هَذاَ، يَتنََاسَبُ جِداًّ مَعَ مَفْهُومِ الانْتِمَاءِ. أوََلَيْسَ هَذاَ الشعوُرُ مَرَضِيًّا؟ يَظْهَرُ الانْتمَِاءُ إِلىَ مَكَانٍ مَا مِنْ خِلَالِ خَمْسَة

تصََرفَاتٍ :

 

ويظهرُ  الإنتماءُ  إلى طرابلُس في عددٍ  من السلوكيات. أولها، عدمُ  الرَّ غبةِ  في  ترَكِ  المدينة؛ فقداختارَ  بعضُ  الأدباءِ والفنانين والسينمائي ين  البقاءَ فيها رغمَ  الفرُصِ التي كان يمكنُ أن يحصَلوا عليها خارجَها ، بخاصة في ظلِّ  ظروفٍ صعبة.  وثانيها، الترويجُ  للمدينةِ  وإظهارُ

مَ يّزا تِها أمامَ الآخرين، حتى من جانبَ  الذين غادروها، إذ يستمر  ارتباطُهُم بها و حِرصُهُم على تحسينِ  صور تِها.

ومن الأمثلةِ  على ذلك،  مبادراتُ  المحافظةِ  على تراثِ  طرابلُس التي أطلقَها طرابلسيون في بلادِ الانتشار.  وثالثا ً،  الدفاعُ   عن المدينةِ   عندما تتعرّ ضُ  لسلبيةٍ   ما أو  لظلمٍ   إعلامي.  فالمتثقفون الطرابلُسيون يشعرُون بأن الإساء ةةَ  إلى مدينتِهِم  تمََس   كرامتهَُم الشخصية ،   يسعَوْنَ   إلى مواجهةِ الصوَرِ  النَّمطيةِ  المُجحِفةِ  بحقِها بإبرازِ  تاريخِها وإنجازاتها. أما رابعُ  مظاهرِ  الإنتماءِ  فهو الحنينُ إلى المدينةِ لمن اضطُرّ وا  إلى مغادرَ تِها ؛ يستعيدُ  هؤلاء طفولتهَُم وشوارعَهُم وأصدقاءَ هُم وذِ كريا تِهم.  وخامسُها  التضامنُ   بين أبناءِ   المدينة،  إذ يتشاركونَ   الآلامَ  والأفراحَ  والظروفَ والمصير ،حتى عندما تكونُ  أهواؤُهم مختلفة ً أو متبايِنة .

 

رابعاً: التعبيرُ عن الإنتما ء

 

يَّتخِذ ُ التعبيرُ  عن الإنتماءِ  أشكالاً لغوية ً وأدبية ً وفنية ً متعدِدة ً، يبقى الأدبُ  أكثرَ ها انتشاراً.

 

  • فاللغة ُ فالغة الفصُحى  تشكِّلُ   عنصراً أساسياً في الإنتماءِ   الثقافي، بينما تكشِفُ   اللهجةُ  المحلية ُ

المحكيةُ بصورةٍ  خاصة عن الإنتماءِ  إلى طرابلُس .  و يُمكِنُ  للَّهجةِ  أن تصبحَ  علامة َ تعريفٍ بالمدينة ،  بخاصة لدى أبنائها المنتشرين خار جَها.  

 

  • أما في  المجال الأدبي،  فالشعراءُ   الطرابلُسيون جعلوا من مدينتِهِم موضوعاً متكرِّراً في قصائِدهم، وعَبرَّ وا عن أفرا حِها وأحزا نِها وإنتصارا تِها وآلامِها .

 

  • وفي النثر، يظهرُ   الإنتماءُ   من خلالِ   الكتابةِ   عن الأحياءِ   والشوارع ِ  والعاداتِ   والتقاليدِ

والمناظرِ   والشخصيا تِ  التي ترتبطُ   بالطفولةِ   والمراهقةِ   والذاكرة.  وقد كرَّسَ عدد ٌ من المؤرِّ خين والكُتاّب أعما لَهم لتوثيقِ الحياةِ   الثقافيةِ   والأدبيةِ   في  طرابلُس  والشَّمال،  حِفاظاً على الذاكرةِ  من

الضَّياع .

 

 

  • وتؤد يّ الصِحافة بدوَرِ ها وظيفة ً خاصة، لأنها تنقلُُ أخبارَ  المدينةِ  وأحدا ثهَا اليومية، حتى

تلك التي قد تبدو بسيطة ً أو محلية ً جداً، كالنجاحاتِ  المدرسيةِ  وأخبارِ الأعراس والمناسبا تِ الإجتماعية الأخرى.  

 

  • أما الفنو نُ على أنواعِها، فتتُيحُ التعبيرَ  عن الإنتماءِ   بطريقة غير مباَشَرة .

 

  • ففي الموسيقى، يمكنُ للمؤ لِّفِ   أن يحمِلَ مدينتهُ  معه من خلالِ   أسلو بِهِ   وأعما لِه، كما يظهرُ  مثلاً في تجربةِ المايسترو باركيف تسلاكيان الذي أطلق على كورالِه إسم “كورال الفيحاء” )التي أصبحت “كورال الفيحاء الوطني(“، مؤكِّداً إرتباطَه ُ بطرابلُس.

 

  • وفي المسرح،   يظهرُ   الإنتماءُ   من خلال  اختيارِ   الشخصياتِ   والموضوعاتِ واللغةِ

واللهجةِ  المَحلية؛ كما في مسرحِ  أبو سليم الذي تميَّزَ

بطا بِعِهِ  الطرابلُسي الواضح.

 

  • أما في السينما ، يتحوَّ لُ المكانُ  نفسُه إلى وسيلةٍ  للتعبيرِ  عن الإنتماء. على سبيلِ  المثال  ،

خصَّصَ  المخرجُ  حسام خياط عدداً من أفلامِهِ  الوثائقيةِ  لموضوعاتٍ  طرابلُسية بحتة ، فجعلَ  المدينة َ وشخصياتِها وأماكِنَها جزءً ا أساسياً من أعما لِه .

 

  • وفي الفنِ التشكيلي ، يستطيعُ  الفنانُ  أن يحفَظَ  في لوحتِهِ  صُوَ رَ  المدينةِ  وذِ كريا تِها، وأن

يُعيد َ إنتاجَ  الأماكِنِ  والشوارع ِ والمعا لِم التي تشكِّلُ  جزءً ا من الذاكرةِ  الجَماعية. وعلى سبيلِ  المِثالِ  كذلك، تجسِّدُ أعمالَ  “مجموعة العشرة” هذا النوعُ  من الإنتماءِ  بوضوح، إذ عاشَ   أفرا دهُا ودرسوا في  طرابلُس  وألِفوا شوارعَ ها وأزقَّتهَا ومعا لِمَها، فجاءَتْ أعمالهُُم تعبيراً عن  جُذورِ هم الإجتماعية والثقافية. وتظهرُ  في أعمالِ

بعضِهم طرابلُس القديمة ُ وهُويتهُا الدينية والمِعمارية، بما يعكِسُ  حَنيناً متجدِدّاً إلى المدينة.  

 

  • ويتوسَّعُ البحثُ ليشمُلَ المطبخُ وحتى اللِباس .  

 

  • فالمطبخُ الطرابلُسي ، بما فيه من أطباقٍ و حَلَويات، يمثلُ   جِزءً ا  من التراثِ   الذي انتشرَ  خارجَ  المدينةِ  ووصلَ  إلى مناطقَ  مختلفةٍ  من العا لَم. وهنا تنضَم  حاسة ُ الذوّقِ لتنقلَُ صورةَ المدينةِ  وإشعاعَ ها الثقافي.

 

أمال لِباسُ ، فقد عكسَ في مراحلِ  تاريخيةٍ معينة الطابعَ  الديني والإجتماعي السائد، وإن كان الإنتماءُ الذي يدلُ  عليه أحياناً مرتبطاً بالدِ يّن أكثرَ من إرتباطِهِ  بالمدينةِ نفسِها .

 

الخاتمة

 

تشكِّلُ  طرابلُس، كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُدنُِ الَّتيِ تتشارَ كُ  مَعهََا شغفَها بِالْأدَبَِ  وَالْفنُُونِ  الْجميلة، مثلاً مُمتازاً وحَيّاً لِلْتأَثِْيرِ  الأكيدِ  للمُمارساتِ اليوميّة )اللغَة، نِظَام الْأكل، نمَط الْحَيَاة، الاجتماعيّات، الصَّلَاة، تشارك نظَِام القِيَم، الا حتفالات الشعبيّة،  إلخ…(.  وللثقافةِ  عَلىَ الْأخلاقِ وَعَلىَ تصرفِ   وسُلوكِ أهلِها. لِذلَِكَ، يمُْكِنُنا القَولُ  أنََّ ذلَِكَ الحِسَّ  العَذْبَ  بالإنتماء، المُنطلِق مِنْ مِنَصَّةٍ ثقََافِيَّةٍ  مَتينة،  يُشَكِّلُ ارتقاءً  وُصولاً إلى الوفاءِ  والولاءِ ، مُستحدِثاً  ترُاثاً مِنْ نَوْعٍ آخَر غَيْر ملموسٍ  لَكِنَّهُ حَاضِرٌ جِداًّ .

 

أخواتي  وإ خواني،

 

بعَْدَ  أن  سَمِعْتمُْ أصداءَ   هُيامي بمدينتي ،  ألا   تشُاركونني  شُعوري أنَّ   “الإنتماءَ   إلى  طرابلُس ” هُوَ

فِعَلَا ً “إرتقاءٌ ” ثقََافيِ؟ وأنَّ أبرزَ  تراثاتِها هو التراثُ العاطفي؟

 

وختاماً،

 

شكراً للإتحاد الْعرََبِي  للمرأة  الْمتخصِّصة  ولِلْجَامِعَةِ   الْأميركية لِلْتكِْنُولوُجِيَا  وللمجلسِ الثقَّافي في

بلادِ جبيل عَلىَ تنَْظِيمِ هِم لهَذِهِ النّدوة.  وأ خُص بالذكر الجَامِعَة الْأميركية لِلْتكِْنوُلوُجِيَا عَلىَ استضافةِ ندو تِنا فيِ هَذِهِ الْأ مُسيَّةِ  الْمُبارَ كة . كما أشكُرُ الصديقة السيدة ناريمان الجمل غانم  والدكتور مرسيل حنين على كلماتهِم الرقيقة  والسيدة سامية مطر الزغندي على تكرمِها بإدارةِ وتقديمِ  الندوة.

 

ولكم أيها الحضورُ  الكريم جزيلَ الإمتنانِ  على حُسنِ  إصغا ئكِم .

وَالسَّلَام