المحبة الصادقة هكذا نحب رسول الله ﷺ… (الحلقة الثانية)/بقلم فضيلة الشيخ مظهر الحموي رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى

المحبة الصادقة
هكذا نحب رسول الله ﷺ…
(الحلقة الثانية)
بقلم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث فيالمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
إذا كان مولد النبي ﷺ وإن إختلف الناس في تاريخه هو ذكرى تُوقظ فينا المحبة ، فإن المحبة التي لا توقظ الأخلاق تبقى عاطفةً ناقصة ، وإذا كانت سيرته ﷺ طريقًا إلى الله ، فإن السير فيها لا يكون باللسان وحده ، وإنما بخطى الصدق والأمانة والرحمة والعفو والعدل .
إن رسول الله ﷺ لم يأتِ ليزيد الناس معرفةً بالكلام ، بل ليصنع منهم أناسًا تُرى رسالته في وجوههم ، وتُلمس في معاملاتهم ، ويستظل بها الضعيف ، ويأمن بها الخائف ، ويجد فيها المظلوم إنصافه ، والمخطئ يفتح له بابًا إلى التوبة والإصلاح .
ومن هنا ، فإن أصدق الوفاء له ﷺ أن يكون صدقه في صدقنا ، وأمانته في أمانتنا ، ورحمته في رحمتنا ، وعدله في أحكامنا ، وحلمه في خصوماتنا.
وإذا كان الله سبحانه قد قال في نبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فكيف لا تكون الرحمة بعض لغتنا وبعض مواقفنا وبعض أخلاقنا؟
وإذا كان قد جاء ليؤلف القلوب ، فكيف نكون نحن وقودًا للفرقة؟! وإذا كان قد أُرسل ليهدي الناس ، فكيف نجعل الدين في ألسنتنا سوطًا على الناس ، بدل أن يكون في أيدينا جسرًا إليهم؟
إن قوة الموقف لا تستوجب قسوة القلب، والانتصار للفكرة لا يعني الانتصار على الإنسان ، والاختلاف في الرأي لا يبيح سقوط الأدب .
وما أحوجنا إلى أن نتعلم من مدرسة المصطفى ﷺ كيف نختلف دون أن نتباغض ، وكيف نتنافس دون أن نتدابر ، وكيف ننتصر للحق دون أن نظلم الخلق .
فكم من كلمة قيلت باسم الغيرة على الدين ، فأحرقت قلبًا ، وكم من خصومة بدأت بخلاف في الرأي ، ثم انتهت بقطيعة في الرحم ، وكم من نقد كان يمكن أن يكون نصحًا ، فتحول إلى تشهير .
وما هكذا تُبنى الجماعات ، ولا هكذا تُصان الأخوة ، ولا هكذا يُحمل ميراث النبوة .
إننا أحوج ما نكون إلى كلمة سواء ، كلمة تجمع ولا تفرّق ، وتبني ولا تهدم ، وتفتح الأبواب ولا تغلقها.
أحوج ما نكون إلى أن نبحث عن الأعذار لإخواننا قبل أن نبحث عن أخطائهم ، وأن نغض الطرف عن الهفوات قبل أن نضخّمها ، وأن نتذكر أن القلوب التي نكسرها اليوم قد نحتاج غدًا إلى محبتها ووقوفها إلى جانبنا.
وما أحوج لبنان ، في هذه المرحلة العصيبة ، إلى هذه الأخلاق النبوية ، إلى مسؤول يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا ، وإلى موظف يرى الوظيفة أمانة لا غنيمة ، وإلى سياسي يرى الوطن وطنًا لا ساحة نفوذ ولا مصلحة خاصة ، وإلى مواطن يعرف أن حقه لا يكتمل إذا كان على حساب حق أخيه .
فالأوطان لا تستعيد عافيتها بكثرة الشكوى من أمراضها ، وإنما حين يبدأ كل واحد منا بعلاج المرض الذي يستطيع أن يبلغه : فسادًا في يده فينزهه ، أو خصومة في قلبه فيطفئها ، أو حقًا في ذمته فيؤديه ، أو مظلمة في عنقه فيردها .
والأمة لا تستعيد مكانتها بالبكاء على أمجادها ، ولا بالتحسر على حاضرها، وإنما حين تستعيد الإنسان الذي أراد الإسلام أن يصنعه : إنسانًا إذا قال صدق ، وإذا اؤتمن حفظ ، وإذا خاصم عدل ، وإذا قدر عفا ، وإذا اختلف مع غيره لم يسقط أخلاقه .
فلتكن هذه المناسبة عهدًا لا موسمًا ، عهدًا نتصالح فيه مع الله ، ومع أنفسنا ، ومع إخواننا ، ومع وطننا .
ولنضع وراء ظهورنا أحقاد الأمس ، ولنفتح للغد نافذةً من الأمل والعمل .
تعالوا نحيِ الذكرى في القلوب قبل الساحات ، وفي السلوك قبل الأقوال ، وفي الأخلاق قبل المظاهر . تعالوا نجعلها مناسبةً لرد مظلمة ، وصلة رحم ، وإصلاح ذات بين ، وحفظ أمانة ، وكف أذى ، وعفو عند المقدرة.
فما أحوجنا اليوم إلى محمد ﷺ: لا أنشودةً نرددها ، بل منهجًا نسلكه ، ولا سيرةً نحفظها ، بل حياةً نقتدي بها، ولا محبةً نزعمها ، بل طاعةً تشهد لها أعمالنا .
ومن أحب رسول الله ﷺ حقًا ، فليحمل إلى الناس شيئًا من رحمته ، وإلى معاملاته شيئًا من صدقه ، وإلى خصوماته شيئًا من عدله ، وإلى حياته شيئًا من تواضعه.
وهكذا تصبح هذه المناسبة أكثر من ذكرى : تصبح موعدًا لميلادنا من جديد ، نولد فيه من قسوة الخصومة إلى سعة الرحمة ، ومن أسر المصالح إلى رحاب المسؤولية ، ومن فرقة القلوب إلى وحدة الصف ، ومن عبادة المظاهر إلى حقيقة الإيمان .
فيا رب ، كما أشرقت الدنيا بمجيء نبيك ﷺ ، أشرق على قلوبنا بنور هديه ، وأصلح بنا ما فسد ، واجمع بنا ما تفرق ، وألّف بين القلوب، وأصلح الوطن والعباد ، وارزقنا صدق المحبة وحسن الاتباع وجمال الاقتداء .
اللهم اجعلنا ممن أحبوا فأطاعوا ، وعرفوا فاقتدوا ، وسمعوا فاستجابوا
، واجعل لنا من أخلاق نبيك ﷺ نصيبًا ، ومن رحمته حظًا ، ومن هديه طريقًا ، ومن سنته حياة.

أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى

إذا كان مولد النبي ﷺ وإن إختلف الناس في تاريخه هو ذكرى تُوقظ فينا المحبة ، فإن المحبة التي لا توقظ الأخلاق تبقى عاطفةً ناقصة ، وإذا كانت سيرته ﷺ طريقًا إلى الله ، فإن السير فيها لا يكون باللسان وحده ، وإنما بخطى الصدق والأمانة والرحمة والعفو والعدل .
إن رسول الله ﷺ لم يأتِ ليزيد الناس معرفةً بالكلام ، بل ليصنع منهم أناسًا تُرى رسالته في وجوههم ، وتُلمس في معاملاتهم ، ويستظل بها الضعيف ، ويأمن بها الخائف ، ويجد فيها المظلوم إنصافه ، والمخطئ يفتح له بابًا إلى التوبة والإصلاح .
ومن هنا ، فإن أصدق الوفاء له ﷺ أن يكون صدقه في صدقنا ، وأمانته في أمانتنا ، ورحمته في رحمتنا ، وعدله في أحكامنا ، وحلمه في خصوماتنا.
وإذا كان الله سبحانه قد قال في نبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فكيف لا تكون الرحمة بعض لغتنا وبعض مواقفنا وبعض أخلاقنا؟
وإذا كان قد جاء ليؤلف القلوب ، فكيف نكون نحن وقودًا للفرقة؟! وإذا كان قد أُرسل ليهدي الناس ، فكيف نجعل الدين في ألسنتنا سوطًا على الناس ، بدل أن يكون في أيدينا جسرًا إليهم؟
إن قوة الموقف لا تستوجب قسوة القلب، والانتصار للفكرة لا يعني الانتصار على الإنسان ، والاختلاف في الرأي لا يبيح سقوط الأدب .
وما أحوجنا إلى أن نتعلم من مدرسة المصطفى ﷺ كيف نختلف دون أن نتباغض ، وكيف نتنافس دون أن نتدابر ، وكيف ننتصر للحق دون أن نظلم الخلق .
فكم من كلمة قيلت باسم الغيرة على الدين ، فأحرقت قلبًا ، وكم من خصومة بدأت بخلاف في الرأي ، ثم انتهت بقطيعة في الرحم ، وكم من نقد كان يمكن أن يكون نصحًا ، فتحول إلى تشهير .
وما هكذا تُبنى الجماعات ، ولا هكذا تُصان الأخوة ، ولا هكذا يُحمل ميراث النبوة .
إننا أحوج ما نكون إلى كلمة سواء ، كلمة تجمع ولا تفرّق ، وتبني ولا تهدم ، وتفتح الأبواب ولا تغلقها.
أحوج ما نكون إلى أن نبحث عن الأعذار لإخواننا قبل أن نبحث عن أخطائهم ، وأن نغض الطرف عن الهفوات قبل أن نضخّمها ، وأن نتذكر أن القلوب التي نكسرها اليوم قد نحتاج غدًا إلى محبتها ووقوفها إلى جانبنا.
وما أحوج لبنان ، في هذه المرحلة العصيبة ، إلى هذه الأخلاق النبوية ، إلى مسؤول يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا ، وإلى موظف يرى الوظيفة أمانة لا غنيمة ، وإلى سياسي يرى الوطن وطنًا لا ساحة نفوذ ولا مصلحة خاصة ، وإلى مواطن يعرف أن حقه لا يكتمل إذا كان على حساب حق أخيه .
فالأوطان لا تستعيد عافيتها بكثرة الشكوى من أمراضها ، وإنما حين يبدأ كل واحد منا بعلاج المرض الذي يستطيع أن يبلغه : فسادًا في يده فينزهه ، أو خصومة في قلبه فيطفئها ، أو حقًا في ذمته فيؤديه ، أو مظلمة في عنقه فيردها .
والأمة لا تستعيد مكانتها بالبكاء على أمجادها ، ولا بالتحسر على حاضرها، وإنما حين تستعيد الإنسان الذي أراد الإسلام أن يصنعه : إنسانًا إذا قال صدق ، وإذا اؤتمن حفظ ، وإذا خاصم عدل ، وإذا قدر عفا ، وإذا اختلف مع غيره لم يسقط أخلاقه .
فلتكن هذه المناسبة عهدًا لا موسمًا ، عهدًا نتصالح فيه مع الله ، ومع أنفسنا ، ومع إخواننا ، ومع وطننا .
ولنضع وراء ظهورنا أحقاد الأمس ، ولنفتح للغد نافذةً من الأمل والعمل .
تعالوا نحيِ الذكرى في القلوب قبل الساحات ، وفي السلوك قبل الأقوال ، وفي الأخلاق قبل المظاهر . تعالوا نجعلها مناسبةً لرد مظلمة ، وصلة رحم ، وإصلاح ذات بين ، وحفظ أمانة ، وكف أذى ، وعفو عند المقدرة.
فما أحوجنا اليوم إلى محمد ﷺ: لا أنشودةً نرددها ، بل منهجًا نسلكه ، ولا سيرةً نحفظها ، بل حياةً نقتدي بها، ولا محبةً نزعمها ، بل طاعةً تشهد لها أعمالنا .
ومن أحب رسول الله ﷺ حقًا ، فليحمل إلى الناس شيئًا من رحمته ، وإلى معاملاته شيئًا من صدقه ، وإلى خصوماته شيئًا من عدله ، وإلى حياته شيئًا من تواضعه.
وهكذا تصبح هذه المناسبة أكثر من ذكرى : تصبح موعدًا لميلادنا من جديد ، نولد فيه من قسوة الخصومة إلى سعة الرحمة ، ومن أسر المصالح إلى رحاب المسؤولية ، ومن فرقة القلوب إلى وحدة الصف ، ومن عبادة المظاهر إلى حقيقة الإيمان .
فيا رب ، كما أشرقت الدنيا بمجيء نبيك ﷺ ، أشرق على قلوبنا بنور هديه ، وأصلح بنا ما فسد ، واجمع بنا ما تفرق ، وألّف بين القلوب، وأصلح الوطن والعباد ، وارزقنا صدق المحبة وحسن الاتباع وجمال الاقتداء .
اللهم اجعلنا ممن أحبوا فأطاعوا ، وعرفوا فاقتدوا ، وسمعوا فاستجابوا
، واجعل لنا من أخلاق نبيك ﷺ نصيبًا ، ومن رحمته حظًا ، ومن هديه طريقًا ، ومن سنته حياة.

أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى