الرواية أيضًا أرضٌ لا تُسلَّم*/«أخطر ما يمكن أن يُنتزع من شعبٍ ليس أرضه فقط، بل حقه في أن يروي حكايته بنفسه» / بقلم الأستاذ `أحمد حسن الأعرج`
*الرواية أيضًا أرضٌ لا تُسلَّم*
«أخطر ما يمكن أن يُنتزع من شعبٍ ليس أرضه فقط، بل حقه في أن يروي حكايته بنفسه»
✍🏻…`أحمد حسن الأعرج`
لم تكن الثورة الفلسطينية يومًا بندقيةً فقط، كما أن فلسطين لم تكن أرضًا تُدافع عنها الجغرافيا وحدها. في جوهرها، كانت معركةً على الإنسان والهوية والذاكرة والرواية؛ معركةً كي يبقى الفلسطيني فلسطينيًا، وتبقى فلسطين حاضرةً في الوعي، رغم كل محاولات الاقتلاع والمحو.
ومن هنا، لم يكن الكاتب الفلسطيني يومًا خارج الثورة، ولم يكن الأديب مجرد شاهدٍ على أحداثها. كان في خندقٍ آخر من خنادق المواجهة؛ يحمل قلمه لا باعتباره أداةً للكتابة فحسب، بل وسيلةً لحماية المعنى، وصون الذاكرة، وإبقاء الحكاية في يد أصحابها.
فحين يكتب الفلسطيني اسم قريته، لا يكتب اسمًا في سطر، بل يعيد المكان إلى الحياة. وحين يروي حكاية اللاجئ، لا يوثّق مأساةً فقط، بل يمنع النكبة من أن تتحول إلى رقم. وحين يكتب عن الشهيد، فإنه لا يستحضر الموت وحده، بل يحفظ الإنسان الذي كان له وجهٌ وحلمٌ وأمٌّ وبيتٌ وحكاية.
وهنا تكمن قوة الأدب الفلسطيني؛ فهو قد لا يستطيع أن يعيد الجغرافيا وحده، لكنه يستطيع أن يمنع الجغرافيا من أن تُمحى من الوعي. وقد لا يفتح بابًا مغلقًا، لكنه يستطيع أن يبقي مفتاح العودة حاضرًا في الذاكرة.
فالاحتلال لا يسعى إلى السيطرة على الأرض وحدها، بل يحاول السيطرة على الرواية أيضًا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ أن يُقتلع من وطنه، ثم يُطلب منه أن ينسى لماذا كان الوطن وطنه. ومن هنا تصبح الكلمة جزءًا من المقاومة، ويصبح الكاتب حارسًا لذاكرةٍ لا يجوز أن تُترك وحيدةً في مواجهة النسيان.
لكن الكتابة عن فلسطين ليست أن نكرر ما قيل، ولا أن نحول القضية إلى شعارٍ موسمي. فالكاتب الحقيقي لا يكتب ما يحب الناس سماعه فقط، بل يطرح ما يحتاجون إلى سماعه. لا يمنح القارئ راحةً مؤقتة، بل يضع أمامه سؤالًا يوقظ وعيه، ويترك في داخله ما لا تسمح له الإجابة السهلة بالرحيل.
فليس كل من كتب عن فلسطين قد حمل أمانتها، كما أن كثرة الكلمات لا تعني بالضرورة كثرة الوعي. قد تمتلئ الصفحات بفلسطين، بينما لا تغيّر كلمةٌ واحدة منها شيئًا في الإنسان. وقد ترتفع الشعارات عاليًا، بينما يبقى السلوك عاجزًا عن حمل أبسط معاني الانتماء.
لهذا، فإن مسؤولية الكاتب الفلسطيني اليوم ليست أقل من مسؤولية من سبقه، وإن تغيّرت أدوات المعركة. فالمواجهة لم تعد فقط مع من يريد تزوير التاريخ، بل أيضًا مع سرعة النسيان، وتسطيح القضايا، وتحويل المأساة إلى مشهدٍ عابر، وضجيج الروايات التي تتكاثر حتى تضيع الحقيقة بينها.
وإذا لم نكتب نحن روايتنا، سيكتبها الآخرون عنا. وإذا لم نمنح أبناءنا لغةً يفهمون بها فلسطين، سيجدون من يشرح لهم فلسطين بطريقةٍ لا تشبه فلسطين. وإذا تركنا ذاكرتنا بلا حراسة، فلن يطول الوقت قبل أن تتحول أسماء القرى والمدن والمخيمات إلى مجرد أسماءٍ في كتب التاريخ، بدل أن تبقى جزءًا حيًا من وجدان الأجيال.
نحن بحاجة إلى كتابة تجعل الانتماء مسؤولية، والذاكرة وعيًا، والوطن سلوكًا لا مجرد شعار. نحتاج إلى كاتب يرى الإنسان قبل الصورة، ويسأل قبل أن يكرر، ويواجه الخلل بدل أن يخفيه خلف العبارات الجميلة؛ لأن الدفاع عن القضية لا يعني تجميل واقعها، بل امتلاك الشجاعة لحمايتها من الضعف والتكرار والفراغ.
فالكاتب الذي يخاف أن يسأل، قد يتحول قلمه إلى صدى. والذي يخاف أن يقول الحقيقة، قد يساهم من حيث لا يدري في إضعاف القضية التي يظن أنه يحميها. ففلسطين لا تحتاج إلى كلماتٍ أكثر بقدر ما تحتاج إلى كلماتٍ أصدق، ولا تحتاج إلى من يكرر ما يعرفه الجميع، بقدر ما تحتاج إلى من يفتح نافذةً جديدة في جدار الوعي.
والوطن الذي لا نحمي معناه، لن تحميه الخرائط وحدها. والهوية التي لا نمارسها في حياتنا، لن تنقذها الشعارات. والذاكرة التي لا تتحول إلى وعيٍ ومسؤولية، قد تتحول يومًا إلى مجرد حنين؛ والحنين، مهما كان صادقًا، لا يبني وعيًا ولا يصنع موقفًا.
لقد حمل المقاتل بندقيته كي لا تُنتزع الأرض، وحمل الكاتب قلمه كي لا تُنتزع فلسطين من الذاكرة. لم تكن بين البندقية والقلم مسافة، بل أدوار مختلفة لمعركةٍ واحدة: أن يبقى الإنسان الفلسطيني واقفًا، وأن تبقى فلسطين حاضرةً في الوعي، لا بوصفها ذكرى، بل باعتبارها حقًا وهويةً ومسؤولية.
وقد يستطيع الاحتلال أن يهدم بيتًا، لكنه لا يستطيع أن يهدم بيتًا يسكن الذاكرة. وقد يستطيع أن يغيّر اسم مكان، لكنه لا يستطيع أن يمحو اسمًا تحفظه الأجيال. وقد يستطيع أن يمنع الفلسطيني من العودة إلى قريته، لكنه لن يستطيع أن يمنعه من أن يعلّم أبناءه أين كانت، ومن كان يسكنها، ولماذا ما زالت تعنيه.
وهنا يصبح القلم أكثر من أداة؛ يصبح شاهدًا لا يموت، وذاكرةً لا تُقتلع، وصوتًا يعبر الزمن حين تصمت الأصوات. وكل كلمة صادقة تُكتب عن فلسطين ليست مجرد سطرٍ جديد، بل لبنةٌ في جدارٍ يحول دون أن تصبح الحقيقة غريبةً في أرضها.
فالثورة الفلسطينية ليست بندقيةً فحسب؛ إنها كل إنسانٍ حر رفض أن ينسى، وكل كاتبٍ آمن أن الكلمة حين تكون صادقة تستطيع أن تعبر من جيلٍ إلى جيل، وأن تواجه النسيان حين تعجز القوة عن مواجهته.
المعركة على فلسطين، في جوهرها، ليست فقط معركة من يملك الأرض، بل معركة من يملك الحق في أن يقول: هذه أرضي، وهذه حكايتي، وهذا وطني.
وحين يبقى القلم الفلسطيني حرًا، صادقًا، ومؤمنًا بأن الكلمة مسؤولية، فإن فلسطين لن تكون مجرد قضيةٍ نكتب عنها؛ ستبقى قضيةً تكتبنا نحن، وتكشف من نحن، وماذا فعلنا حين كانت الحقيقة بحاجةٍ إلى من يحملها.
فالأرض قد تُحتل، والبيوت قد تُهدم، والحدود قد تُرسم بالقوة؛ لكن ما دام هناك قلمٌ يرفض أن ينسى، فلن تكون الرواية يومًا ملكًا لمن احتل الأرض.