مقال للاديب الشاعر الاستاذ مروان الخطيب/لماذا الشِّعر
لماذا الشِّعر…؟
الشِّعرُ كالعشقِ، كالموتِ، يأتيكَ بغتةً، فيُقِلُّكَ إلى مدارجَ عُلويَّةٍ، حيثُ السِّباحةُ بلا ضِفاف، والتَّطوافُ بلا قيود، و الأمَنَةُ بلا أقذاء، و الجِبِلَّةُ طهورٌ من الأدناس، تتوضأُ بتجلِّياتِ الحقيقةِ الرَّقراقةِ الرَّقُوص؛ نوراً على نور، لتقطفَ بعد حينٍ مُقدَّسٍ، أريجَ الهمِس حكمةً بالغة، أو صورةً فسيحةً، حدَّ الذَّوَبَانِ الملائكيِّ الشَّفيف.
لماذا الشِّعرُ…؟،
لأنه نبضٌ ولونٌ، و دمع، وحكمةٌ مصون. أو هو كما قال أوكتافيو باث ذاتَ أصيلٍ مكسيكيٍّ مُوحٍ: ” الشِّعرُ يُسمَعُ بالأذُنين، لكنَّه لا يُرى إلا بالعقل. صورُهُ مخلوقاتٌ برمائيةٌ: فهي أشكالٌ وأفكارٌ، أصواتٌ وصمت ” . أو كما قال كازيميرو دو بريتو في صباح لَشْبونيٍّ غيرِ بعيدٍ عن أصباحِ ابن حزم في قُرطُبة الأندلسِ الحزين: ” الشِّعرُ هو الموسيقى والمعنى والتَّجربة… وحيويةُ الحياة “. ولأنَّ ” الإنسانَ سيظلُ محتاجاً إلى الشعر إحتياجَه إلى الماء والهواء ” كما نصَّ توفيق يوسف عواد في ” طواحين بيروت “، ولأنه “اللُّغةُ الحميمةُ في كُلِّ شيء…” و ” الإبحارُ في عوالم الذَّات والوجود عَبْرَ أشكالٍ وأنماطٍ من التَّعبيرِ الموسيقيِّ الذي، إنْ لمْ يخضعْ لقواعدَ عَروضيَّةٍ راسخة، أو تَمَوُّجاتٍ إيقاعيةٍ مُتناسقة، اختلَّتْ فيه الهُويَّةُ، وتعرَّضتْ لكثيرٍ من النَّقضِ و التَّصادم “، على حدِّ بيان الدكتور ياسين الأيوبي في مجلة الكويت العدد 254 – كانون الأول/ديسمبر2004.
لأنَّهُ كلُّ ذلك، هو الشِّعر.
والنَّاظرُ في المصادرِ والمراجعِ الأدبيَّة، يلحظُ أن ثَمَّةَ ما يُشبهُ الإجماع على صعوبةِ تعريف الشِّعر بكلماتٍ جامعةٍ مانعةٍ، ومطلقةٍ لا تقبلُ المزيد ؛ رُغمَ تدوينِ و تقريرِ تعريفاتٍ عدَّةٍ للشِّعرِ فيها. كما أن الباحثَ في تاريخ الآداب والفلسفة، يتحسّسُ مدى امتزاجِ الفلسفةِ بالفنِّ والأدب، و متابعةً بالشِّعر، منذُ أقدمِ العُصور. وما آثار أفلاطون مثلاً، سوى بضعِ شاهدٍ حيٍّ على هذا الإندغام – الامتزاج بينَ الشِّعرِ والفلسفةِ في مستوى الأُسلوبِ والفِكر. والمتصفِّحُ أيضاً مضمونَ ” فضائل الشِّعر ” في “العقد الفريد ” لأبي عُمر بن عبد ربه الأندلسيِّ، لا بُدَّ أنَّهُ واقفٌ بترَوٍّ و تأمُّلٍ على قولِ عبد المَلك بنِ مَروان لمُؤدِّب أولاده:” رَوِّهم الشِّعرَ، يَمْجُدوا و يَنْجُدوا “. [ ينجدون : يكونون شجعاناً ماضينَ في ما يُعجزُ غيرَهم ]. وعند هذا الحدِّ، نقفُ لنقول، وبعد كل ما تقدَّم ذكرُه: إنِّنا نرغبُ في شعرٍ نقيٍّ، شجيٍّ، أبيٍّ، يُمازجُ الجِبِلَّةَ و الفِطرةَ، ويسمو في مداركِ الوعي العميقِ والمستنير. يهزُّ القلوبَ بالأمل، ويشحذُ العقولَ بالرُّؤى والفِكَر؛ شعرٍ نظيفٍ، شفيفٍ كالنَّدى، مقاومٍ و مقدام كالأرجوان، بهيٍّ، سَمُوحٍ كالأُقحوان، وَفِيٍّ كتراتيلِ البنفسج؛ وشَمُوخٍ، عَصِيٍّ كآياتِ الياسمين.
مروان محمد الخطيب