خاص النهوض/ كتب غسّان حلواني “الأسد” و ترسيم الحدود الممنوع …

خاص النهوض
كتب غسّان حلواني
“الأسد” و ترسيم الحدود الممنوع …
شهدت الحدود الشرقية بين لبنان وسوريا توترات متكررة تتصاعد أحياناً إلى اشتباكات مسلحة، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مما يهدد استقرار المنطقة ويفتح جراحاً تاريخية، مرتبطة بترسيم الحدود بين البلدين. هذه الاشتباكات ليست وليدة اللحظة، بل جذورها ممتدة في تاريخ معقد، وواقع سياسي واقتصادي ملتهب. و مما يزيد الطين بلّة، أنّ إمتدادا ً كبيرا ً للحدود الشرقية للبنان، يخضع لهيمنة حزب الله و نفوذه، و الى سطوة عشائر عربية مسلّحة، يعيش بعضها على التهريب، فيما كان يستخدم الحزب هذه المنطقة كممر لمقاتليه بإتجاه سوريا أثناء مساندته لـ”بشار الأسد”، و معبرا ً للتهريب . و مع سقوط نظام “البعث”، الذي يعرف بنظام “الأسد” (الأب و الأبن)، و التغيّر الذي حصل في ميزان القوى في سوريا، لمصلحة النظام الجديد، أدّى ذلك لتراجع نفوذ حزب الله، الذي كان غارقاً حتّى أذنيه في الحرب السورية الداخلية. في التكتيك، إنسحب حزب الله، من الداخل السوري، الى الحدود اللبنانية الشرقيّة في تلك المنطقة. ما حصل في الأيام الأخيرة من اشتباكات بين “قوات وزارة الدفاع السوري و الأمن العام السوري” و بين “قوات حزب الله”، الموجودة في المنطقة، لم يحصل للمرة الأولى. و بإمكان هذه الإشتباكات أن تتكرر من جديد ما لم يتوصل الطرفان السوري و اللبناني، الى معالجة جذرية لهذه الأزمة. تبحث هذه المقالة في أسباب هذه التوترات، وتستعرض الحلول الممكنة لتحقيق تسوية دائمة.
تعود مشكلة ترسيم الحدود إلى حقبة الانتداب الفرنسي (1920–1943)، حيث تم تحديد الحدود بشكلٍ اعتباطي دون مراعاة الخصوصيات الديموغرافية والجغرافية. لم يُعترف بحدودٍ واضحة بين البلدين حتى بعد استقلالهما، مما خلق مناطق متنازعاً عليها، مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
تجاهلت الاتفاقيات اللاحقة، مثل “اتفاقية الأخوة” (1991)، التفاصيل الفنية للحدود، معتمدةً على العلاقات السياسية التي كانت مُسيطراً عليها من دمشق خلال الوجود العسكري السوري في لبنان (1976–2005). ، و هي مرحلة الوصاية السورية على لبنان، التي تعامل من خلالها حافظ الأسد و من بعده أبنه بشّار مع لبنان، كأنه أرث سوري غامض.
منذ عام 2011، أدت الحرب الأهلية السورية إلى تفاقم التحديات الأمنية على الحدود، خاصة مع انتشار الميليشيات المسلحة وعمليات تهريب السلاح والأفراد. مناطق كثيرة أصبحت بؤرةً لنشاطات غير نظيفة عبر الحدود.
تحولت الحدود إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع اتهامات لـ”حزب الله” (المتحالف مع النظام السوري) باستخدام الأراضي اللبنانية كقاعدة لعملياته في سوريا، مما يعرض القرى الحدودية لردود فعل عنيفة.
في الأساس، يعاني البلدان من أوضاع اقتصادية متردية، مما يدفع السكان المحليين إلى الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، كالتهريب، كمصدر رزق. هذا يزيد من احتكاك المجتمعات مع القوات الأمنية.
إنّ وجود أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان يزيد الضغط على الموارد، ويساهم في توترات مجتمعية، خاصة في المناطق الحدودية الفقيرة.
وللخلافات اللبنانية السياسية الداخلية، نصيب في ما يجري، إذ يعاني لبنان من انقسامات سياسية حادة حول العلاقة مع سوريا، بين مؤيد لتعاون أمني مكثف ومعارض لأي تدخل سوري. هذا الانقسام يعيق تبني موقف موحد لترسيم الحدود.
اليوم، بعد سقوط نظام “الأسد” تعلّق أوساط كثيرة آمالها على تسوية مستدامة في المنطقة، من خلال ترسيم الحدود تحت إشراف دولي. إنّ الضرورة تشكيل لجنة فنية مشتركة مدعومة من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، لرسم حدود دائمة بناءً على الخرائط التاريخية والاستشارات الميدانية. وقد نجح هذا الأنموذج في ترسيم الحدود اللبنانية-الفلسطينية عام 2000 وقد يكون مرجعاً. ويمكن حل النزاعات حول المناطق المتنازع عليها عبر التحكيم الدولي، كما حدث في قضية طابا بين مصر وإسرائيل. و لا بد من تعزيز الأمن الحدودي عبر تدريب وتجهيز القوات الأمنية اللبنانية (الجيش وقوى الأمن الداخلي) للسيطرة على المعابر غير الشرعية، بدعم من المجتمع الدولي. كما يجب إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين الجانبين لمكافحة التهريب والانتشار المسلح، مع ضمان شفافية لتفادي الاتهامات بالاختراق السيادي.
الشفاء من هذه الأزمات في الواقع، يكمن في معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية. إنّ تطوير المناطق الحدودية عبر استثمارات في البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، يؤدي الى التقليل من الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي. و يمكن إنشاء “مناطق اقتصادية مشتركة” لتنشيط التبادل التجاري القانوني، مع إشراك المجتمع المحلي في إدارتها.
للحوار السياسي بين لبنان و سوريا الدور الأبرز في حياد المنطقة، وإخراج الحدود من الصراعات الإقليمية عبر التزام جميع الأطراف بعدم استخدامها ساحةً للتصعيد تفعيل دور الجامعة العربية كوسيط محايد لبناء الثقة بين الحكومتين.
و إستقداما ً للإشراف الدولي والدعم الإنساني، يمكن مطالبة – وبشكل جدّي- المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بتحمل مسؤولية إدارة ملف النازحين السوريين لتخفيف العبء عن لبنان. و على المقلب الآخر على القيادة السورية الجديدة البدء في إعادة الإعمار كجزء من حلٍ شامل، لتشجيع عودة اللاجئين طوعياً.
إن حل النزاع الحدودي بين لبنان وسوريا ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، ودعماً دولياً يضمن التوازن في المفاوضات. ترسيم الحدود ليس مجرد خطوط على الخريطة، بل خطوة نحو بناء علاقة تكاملية تستند إلى السيادة والاحترام المتبادل. بدون ذلك، ستظل المنطقة شرقاً عرضة لتجدد العنف، في ظل عالمٍ يتغذى على ضعف الدول الهشة.
امّا داخليا ً، فمن المعيب جدّا ً، تخوين الجيش كقوة شرعية، في عملية حفظ الأمن على الحدود الشرقية. و هو يبذل الغالي و النفيس في حل مشكلة على حدود قد يصل طولها الى أربعمئة كيلومتر.
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون قد اوعز لوزير الخارجية اللبنانية بالتواصل مع نظيره السوري الموجود في بروكسل بالأطر الدبلوماسية. و السوري يدعو الى مثل ذلك، و الى ترسيم الحدود. و لو كان الظرف السياسي يخضع للنظام السوري الساقط ، لكان مجرّد التفكير بالترسيم جريمة و خيانة .فماذا تنتظرون؟