كتب الزميل الاستاذ غسان حلواني/خاص النهوض كتب غسّان حلواني الإسلام و العنف الفردي .. ترهّل القيم ..

خاص النهوض
كتب غسّان حلواني
الإسلام و العنف الفردي .. ترهّل القيم ..
تمرّ بعض المناطق اللبنانية عامة ً، و الإسلامية بشكل ٍ خاص بحالة من الهستيريا، و الشذوذ الفكري ، و إنكار الفرد لأخيه الفرد . حيث تبدو البغضاء بين النفوس ، في شهر وجب ان تكون هذه النفوس أقرب إلى الله، و هو شهر رمضان المبارك .
من وجهة نظر إسلامية، يُعتبر العنف والتَّفَلُّت الأمني والتشاحن والشجار بين الأفراد من السلوكيات المذمومة التي تُهدِّد استقرار المجتمع وتُفْسِد العلاقات بين الناس، وهي من الظواهر التي نهى الإسلام عنها بشدة، حيث دعا إلى السلم والتسامح وحلّ الخلافات بالحكمة والموعظة الحسنة.فالإسلام دين السلام والرحمة، وقد حثَّ على التعايش السلمي وحل النزاعات بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبذ كل أشكال العنف والعدوان.
لم ينف الإسلام هذه العلل ، بل فنّدها و تناول أسبابها في القرآن الكريم و في السنّة الشريفة. من هذه الأسباب، نجد أسبابا ً نفسية ً و شخصيّة ً تأتي مقترنة ً شرطيا ً بضعف الإيمان والوازع الديني، فعندما يضعف الإيمان في قلب الإنسان، يقل الخوف من الله، وتضعف الرقابة الذاتية، مما يدفعه إلى ارتكاب الأفعال المذمومة والمعاصي والجرائم. قال تعالى : يقول الله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96 / فالإيمان الصحيح يُثمر المحبة والود، ويبعد الناس عن العدوان. لقد جاء العديد من الآيات القرآنية التي تحثّ على التعايش السلمي وتنهى عن العنف والعدوان، تحريم الاعتداء، قال الله تعالى:﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190.وهذه الآية توضح أن الإسلام ينهى عن الاعتداء بأي شكل من الأشكال، سواء كان لفظيًا أو جسديًا، فرديًا أو جماعيًا.
و من الآفات التي تؤدي الى العنف بشكل مباشر هما الغضب و الإنفعال، و هما شعوران طبيعيان، ولكن عندما يخرجا عن السيطرة، يمكن أن يؤديا إلى الغيظ الذي يؤدي بدوره الى الشجار ، و قد قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران : 134 ، و قد قال محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”- متفق عليه -. ف الإسلام لا يعتبر القوة الجسدية مقياسًا للقوة الحقيقية، بل القوة الحقيقية هي السيطرة على الغضب وتجنب العنف.
لقد حرّم الإسلام إثارة الفتن والفساد في الأرض، والفساد يشمل العنف والتفلّت الأمني الذي يهدد استقرار المجتمعات، وهذا أمر مكروه ومحرّم شرعًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ البقرة: 205. كما نهى الله تعالى عن الاعتداء على الآخرين، حتى في حالات الغضب أو الخلاف، فقال:﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190. فالاعتداء، سواء بالقول أو الفعل، يُعتبر خروجاً عن منهج الله الذي يدعو إلى العدل والرحمة.
لقد أمر الله سبحانه و تعالى بالإصلاح بين الناس بدلاً من الشجار وقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10

و في هذا تأكيد على أن التشاحن بين الأفراد يناقض الأخوة الإيمانية، وأن الحل الأمثل لأي خلاف هو الإصلاح وليس النزاع. و قد كان موقف النبي ﷺ واضحا ً فيالتحذير من البغضاء والتشاحن، إذا قال رسول الله ﷺ: “لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا” رواه مسلم . وهذا الحديث ينهى عن أسباب الفرقة والكراهية، ويؤكد على أهمية الأخوّة والتعاون بين المسلمين.
إنّ الشجار والتشاحن بين الأفراد يُفْسِد العلاقات ويُولِّد العداوة والبغضاء، وقد حذَّر الإسلام من ذلك. يقول الله تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46.فالتنازع والخلافات تُضعف المجتمع وتُفْقِده تماسكه.
صحيح أنّ الإسلام نادى بالقيم و مكارم الأخلاق، لكنه لم يقف عند هذا الحدّ الروحي الطوباوي ، بل تحدث و أمر بقصاص المرتكب المعتدي و الأخذ بيد المظلوم على يد الظالم ، فالعدل ملح الأرض و أساس الملك، و هو في هذا يحث على وعي أصحاب الربط ( يعني الدولة ) على أن يأخذوا دورهم في تحقيق العدل و إنزال الجزاء العادل بمن تعدّى ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة المائدة: 33.
إنّ التصريح في هذه الآية جليّ في مسألة عقوبة الذين يفسدون في الأرض ويخلّون بالأمن العام من خلال القتل، السرقة، الإرهاب، ونشر الفوضى .وتنص على عقوبات متعددة بحسب الجريمة: القتل، الصلب، تقطيع الأيدي والأرجل، أو النفي من الأرض.
من هنا نرى أن تحقيق الأمن والعدالة من خلال تطبيق العقوبات الرادعة لمنع الإجرام وإرساء الطمأنينة في المجتمع ، هو من لب مهام خلافتنا في الأرض و هذه الآية تؤكد أن الإسلام يحرص على إقامة العدل في الدنيا من خلال الاقتصاص من المجرمين، إلى جانب العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة إذا لم يتوبوا.
لعلاج العنف والتَّفَلُّت الأمني، يجب على المجتمع المسلم أن يعود إلى تعاليم الإسلام التي تدعو إلى التقوى ومراقبة الله في كل فعل وقول، مما يمنع المسلم من الاعتداء على الآخرين. و لا بد من العدل والإنصاف فالعنف غالباً ما ينشأ من الظلم، لذا يجب تحقيق العدل بين الناس.و هذا لا يتحقق إلا بدولة قادرة.
امّا التعليم والتربيةعلى القيم الإسلامية التي تحثُّ على الرحمة والرفق ، فأنا أراها على رأس سلم الأولويات للتحرر من الجهل الذي يبتلع الحرث و النسل و يزيد الناس فسادا ً في الأرض. و لتحقيق ما تقدم نحن بحاجة الى ورشة يتعاون فيها الجميع على البر والتقوى و يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2 لتحقيق نهضة إسلامية جديدة بالقيم و المُثل. وبالعودة إلى تعاليم القرآن والسنة، والعمل على نشر القيم الأخلاقية والإيمانية، يمكن تحقيق مجتمع آمن ومستقر، تسوده المحبة والأخوة.