قصيدة لشاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب/تَحَاليقُ الشِّعر
تَحَاليقُ الشِّعر…!
” ليكُنِ الشِّعرُ البِداية، ولتَكُنِ الأخلاقُ الحميدةُ الوَسط، ولتَكُنِ الموسيقى النِّهاية”
– كُونفوشيوس-
*****
هوَ الشِّعر، حلمٌ وانسراحٌ، وانتشاءٌ ذوبانيّ،
وارتحالٌ من المكان إلى الزَّمان،
ومن الضِّيق إلى الانتشار،
ومن حُروف التلعثُم، إلى كتاب الصُّعود…!.
هوَ الشِّعر، امتلاءٌ نُورانيٌّ مُذابٌ في مدارج العُروج، وحلولٌ نيرفانيٌّ في ذاكرة البنفسج والنخيل،
وهوَ المسافة الممتدة بين ألَقِ الإلياذة وسحر أخيل، وبين أنْسنَة الحُبِّ لإنكيدو، ورغبة جلجامش في المستحيل،
…، وهوَ الفكْرُ في وصايا لُقمان، والحكمةُ في سيرة بِلقيس، والنثرُ الأُرجوانيُّ في خطاب الوَجْد والنار، التالي صعقة الغَدْر، ومرارة الخيبة في بُكائيّات الأحرار…!.
…، والشِّعرُ قبل هذا وذاك، نزوفُ الطَّوايا وفرحُها المؤجَّلُ، حتى بزوغ شمسِ المَهْديِّ المنتظر…؛ وقد كان من قبل، ومن بعدُ، حكايات أزهار اللوتس والنَّرجس، وصواري أمل، ركب الهواء طائراً إلى مَدارات العشق في عُمُر القمر…!.
…، الشِّعرُ لحمٌ ودمٌ؛ وابتهال أحمر الوجدان والخدَّين، يبتعد روحه عن نبْرة التّعالي والانتفاخ والغرور، التي ورَّمَتْ ذات زمن حَنجرةَ نابليون، ويقترب كثيراً جداً، من صوفية العاطفة في سواحر غوته؛ ويلتصق حدَّ الاندماج في الرُّؤى الخيِّرة لصاحب ملحمة «الرُّوح الأسود»، مُتنبّي رومانيا – ميخائيل إيمينيسكو – الذي أبدَعتْهُ «فيرونيكا ميكلي» إنساناً آخر من حُبٍّ، ووَجْدٍ، وتحاليق…، حتى عانقتْ مراميه، أنساغَ الدَّوالي، وشيفرةَ الصَّنوبر، وقُطوف اللّهب الحالم في أشعار المُعلّقات العربيّة…!.
…، هو الشِّعرُ حالة فريدة من النّبض الأزرق…!؛ وحزمة ضوئية كقوس قُزح، يُحبُّ الوَدْقَ والغيث، ويرسمُ وجهه في انسكاب النُّور على صحائف البحار في الآصال، وفوق قمم الجبال، وبين المُمكن النقيِّ، الصفيِّ، البهيِّ، وبين الصعب الشائق، الطائف، العاكف، في الأعالي، وعند تُخوم المُحال…!.
…، هوَ الشِّعر…، ألَقٌ، ابنُ نور، ورُحاقٌ، ابنُ بَخُور، وفتنةُ الأوراد، تسبح في الشّريان، وتُعرِّشُ فوق الصدور،
…، وهو الكائن الماضي؛ والكائن الحاضر، والمُصلّي في كلّ الأزمنة والدُّهور…!.
…، هو ثقافة القلب والعقل معاً…؛ قد غادر مساحات التّانغو، والفالس، والرُّوك، وغادر زمن الوقوف على الأصابع في رقصات الباليه، وتزنَّر مِتْعة الدَّوران عند راقصي الزّار والمولوية..، ثمّ غادرها إلى الطيران، فالذوبان، فالخروج إلى الدخول في مواقيت الملكوت…!.
…، هوَ الشِّعر رسالة ذوق، وقطْرُ ندى، وبَوْحُ هُدى، وحكمة الحرف في مواجهة الرّدى…!. يُحبُّ الأقحوان والأرجوان، ويُذوب في شهْقة التّوت عند حدود المَراشف، ويُودع سرّهُ الرّضاب السِّدريَّ، في ثُغور الحُور العين، القائمات في محاريب الوفاء المسطور في اللوح المحفوظ…!.
هوَ الشِّعر…، نقيض المتعة المستعجلة في الضَّياع الدُّونجوانيِّ والكازانوفيّ؛ ونقيض رسالة الأسود، في سِفْر هنري كيسنجر، ذي المَتْن الرّماديِّ الحافل بهَوَس الامتلاك المُطلق، وبفلسفة ميكيافيلي، وبكل الصُّور المُترعة بالحزن واللاإنسانية، والمتجوِّلة بين هيروشيما وغزَّةَ وجِنينَ والفلّوجة، وبين صبرا وشاتيلا وتل الزعتر، والنَّهر البارد…!.
…، هوَ الشِّعر…. زهرة قَرَنْفُل، ترغب في أن تزرع شذاها، هيبتها، وتَوْقها إلى الأعلى الملائكي…، فوق صدور الناس جميعاً…..!.
…، هوَ الشِّعر… احتشاءُ شرايين القلب بالحزن والوجع، وبالخيبة والدَّمع، ثم الانفجار بالأمل الصاعد إلى شُموخ وعِفّة العِقْبان، وإلى امتلاك الرُّوح أسفار الماوراء على هيئة الإلهام المُتوضِّئ في رؤى الأُمِّ وهي تحلم بفجر أبنائها، والمُصلّي في ذاكرةِ حبيبةٍ لم تَخُنْ قلبَها، ولمْ تَبِعْ حبيبَها لميقاتٍ خُلَّبيٍّ، لا يعرف الوفاء والإباء، ولا معنى الانتماء إلى أبجدية الفَخَّار والليلك والماء…..!.
…، هوَ الشِّعر… طائر من الجَنَّة، هبط إلى الأرض، وفي تغاريده معنىً وهُوية، ورسالة الجمال الأسنى، وتأشيرة الولوج إلى زمن النّور، ورغبة سرْمدية في خلود أبديٍّ، مُخَلَّص من الكذب والخداع، ومن النِّفاق الذي قتل الحُبَّ في قلب «هيروديا» ببيعها «يحيى»، وأجهز على إنسانية «مُسيلمة»، وترك «الوليدَ بن المغيرة» بعيداً عن التزام الحقّ الذي شهد له فؤاده ولسانه، من حيث يدري أو لا يدري…!.
…، هُوَ ذاك الصَّادقُ، الصَّدُوق، الذي يندفع من القلب، ولا يأوي إلَّا إليه…..!.
…، هو الشِّعرُ،
حُلْمٌ ورُؤيا،
ونبضٌ تسامى،
هلالاً ونجما،
وثَغْرٌ تعلّقَ صدرَ الأماني،
فطابَ نبيذاً، ونُسْغاً، وغيما،
وذابَ رُضاباً نقيّاً، وشهدا،
وصِدْقاً أبيّاً، وعهدا…..!.
…، هوَ الشِّعرُ،
قَطْفُ الرِّغاب بأبهى الصُّوَرْ،
وزَرْعُ الدُّموع بحِضْنِ القمرْ،
وجَنْيٌ أصيلٌ:،
نخيلٌ وتَمرْ،
وحُبٌّ وجَمرْ،
وَلَذَّةُ فِكرْ،
تفوقُ النَّجاحَ،
كعَرْشٍ تطيَّب بالمائساتِ،
بحُورِ، وعِيْنٍ،
ومِسْكٍ، وخمرْ….!.
…، هوَ الشِّعرُ،
خَمْسٌ وخَمسْ:
نشيدُ الأقاحِ،
رواءُ الصُّرَاحِ،
وعُرسُ النّقاءْ،
ونبضُ البهاءْ،
وبَوْحٌ وهمسْ،
وفاءٌ، وسَيْفٌ،
وتُرْسٌ، وشَمسْ…..!.
مَروان مُحمَّد الخطيب