كتب وابدع شاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب /في حَضْرةِ المَوْتِ والهَواءِ وغزَّة

في حَضْرةِ المَوْتِ والهَواءِ وغزَّة…!

هُنَا عندَ مُفْتَرقِ السَّبيلِ بينَ الأرض والسَّماء،
لمْ يكنْ في المَدَى مُدَوٍّ،
سِوَى الحَنينِ إلى الهَواء،
ولمْ يَكُنْ من كلامٍ سوى كلمةِ التَّوحيدِ تعلو نَفَسَاً من نورٍ وضِياء…!،
كانَ الزُّمانُ ليلاً،
وكنتَ وحدَكَ تعبرُ الطَّريقَ المُؤدِّيَةَ إلى دَارِكَ،
في جِوَارِكَ الصَّمْتُ،
ووِرْدُ الصَّلاةِ على الرَّسُولِ الكريم،
وفي الأُفقِ ليلٌ مِنْ بُحَّةٍ وَسَفرْجَل،
وأَنتَ مَنْ باتَ نَفَسُكَ يَغِيبُ في شُرُودِ المَعنَى،
شُرُوداً عَميقاً،
وَغِيَابَاً يُشْبِهُ أَبجديَّةَ المَوتِ وسَرديَّةَ الرَّحِيل،
وَيُطِلُّ على ضَبَابِ المستحيل،
كَنَرَجسةٍ أقامتِ اللَّيلَ في مَولويَّةِ غَزَّةَ،
ثُمَّ استَفَاقَتْ على ياسمينِ الشَّامِ راغِبَةً في ضَوْعٍ شَاهِقٍ،
كقمرِ أريحا الذي تكلَّمَ عليه ذاتَ رِوَايةٍ تحملُ اسمَ “العُشَّاق”، وروحَ أديبٍ تربِّى في حِضنِ الخليلِ، فكانَ الرَّاحلُ الكبيرُ (رشاد أبو شاور) المُتَكَلِّمَ بنفسِهِ عن نفسِهِ، وعنِ ” البُكاء على صدر الحبيب”، وعن وجع ماجد أبو شرار في “الخُبْز المُرّ”، وعن سَحَابةِ الشَّوقِ المُعَندِلَةِ فَوقَ جِنينَ وطُولكرم وجبلِ النَّار…!.
وأنتَ،
آهٍ مِنْكَ أَنت،
وَمِنْ وجعِيكَ العَنِيدِ الغَارقِ في الفُرَاتِ الزُّلَالِ السَّلْسَبِيل،
آهٍ من “وجع الذَّاكرة”، الذي يعودُ نسبُهُ إلى نبضِكَ وفِكرِك،
وآهٍ سابعة،
من ذاكَ الحَبْلِ السُّرِّيِّ الذي أَقلَّكَ من تَامُورِ الخَفْقِ إلى وَتينِ الإشرافِ على الموت…!.
ها أَنتذا تَدْخُلُ في المُرَبَّعِ الصَّعيب،
تُغادرُكَ الأَنفاسُ،
يضيقُ صَدْرُكَ،
كأَنَّكَ الدَّاخلُ أَعتامَ نَفَقٍ لا انتهاءَ له،
بل كأَنَّكَ المُصَّاعدُ في سَمَاواتِ السَّماوات،
ليسَ مَعَكَ إلَّا ذِكْرُ اللهِ تعالى،
وبقيَّةٌ من هَوَاءٍ نائمٍ خَلْفَ الضُّلُوع،
وحُلُمٌ بَسِيْمٌ بأَلقِ اليَقِينِ النَّابتِ في قلبِكَ المُجَسَّرِ بالحُبِّ،
والذي يتَّكِئُ على دِعَامَاتٍ تَسْعَى في بَقَاءِ الدِّمِ نَبَّاضَاً رَقُوصَاً بِحُنُوٍّ وأَملٍ بينَ الأُذينِ والبُطَينِ،
وفي عُمُومِ خلايا القبضةِ المُرَتِّلَةِ نَشِيدَ النَّبضِ والحياة…!،
وَتَمْضِي في مَرَارةِ التَّمَزُّقِ بينَ الشَّهِيْقِ والزَّفِيْرِ الضَّائعَيْنِ في خِضَمِّ انعدامِ الأَنفاس،
كأَنَّكَ المُتَهَاوِي بسُرعةِ البَرْقِ والضَّوءِ، سُقُوطَاً وارْتِجَاجَاً من شَوَاهِقِ الأَعالي،
إلى وَهْدَةِ التَّلاشي والفَنَاء،
بلْ كأَنَّكَ وأنتَ مُمَدَّدٌ في سَيَّارَةِ الإسعَاف،
قَدِ ارتقيتَ فِيْ قَطْفِ الهَوَاء،
وغَالَبْتَ الأوجاعَ والأَدواء،
ثُمَّ عُدتَ سيرتَكَ الأُولى بينَ التُّرابِ والماء…!.
ويشاءُ لكَ ربُّ الأَكوانِ ما قدَّرَ وقضى وشاء،
فيعودُ إليكَ نَفَسُكَ وقلبُك،
وتَعُودُ ذاكرتُكَ تسألُ عن غَزَّةَ وليلِها ونهارِها وشُهَدَائها وانتصارِها في الأرضِ وفي السَّماء،
وتبقى المُحَلِّقَ بينَ قُطّوفِ خيرِ الماوراء،
وينمو كنُسْغِ الدَّوالي إلى عِلْمِكِ ما أبهجَ صدرَكَ وقلبَكَ وأعادَ الشُّروقَ في أنفاسِك: حفيدتُكَ (سَمَا) – والتي لها من العُمُرِ عامٌ ونصف-، تبكي وتدورُ في أنحاءِ البيت، وتبكي…وحِيْنَ لمعتْ فكرةُ الغيابِ في رُوْعِ حرارةِ الشمسِ أُمِّ مُحَمَّد، أخذتْ هاتفها الخَلَويَّ، ثُمَّ جعلتْهُ بينَ يَدَيِّ الحَفِيْدةِ الصَّغيرة( سَما)، يجري ناطقاً صوتاً وصورةً، وتسجيلاً ماضياً للجَدِّ أبي مُحَمَّد، ما حملَ (سَمَا) إلى لصقِ الهاتفِ فوقَ صدرِها الصغيرِ ضَمَّاً في أداءٍ مُنُلوجيٍّ عناقيٍّ صامتٍ، ويحملُ دِلالةً واضحةً كألقِ الشمسِ في رابعةِ النَّهار، تلك الدِّلالةَ التي تُقِلُّكَ إلى فلسفةِ الوفاءِ والحُبِّ والحنين، وإلى الثِّقةِ- اليقين، بتقديرِ وتدبيرِ مالكِ المُلكِ، مولانا الله تعالى ربِّ العالمين…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
21/12/2024م