كتب شاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب /أحتاجُ وجهَكِ كي أرى

أحتاجُ وجهَكِ كي أرى…!

أحتاجُ وجهَكِ، كي أقرأَ ما يحدثُ في أرضِنا وسَمَائنا بعمقٍ واستنارةٍ، فأَرَى الحقيقةَ على هيئتِهَا الأُولى، ثُمَّ أقوم للفعلِ كما انبرى إليه مُصْعبُ بنُ عُمَير، وكما كان يُوشعُ بنُ نُون يمضي إليهِ بطاعةِ الأولياء معَ موسى عليه السَّلام…!.
*****

أحتاجُ وجهَكِ كي أرى عينيَّ،
كي أدورَ في رِقصةِ البُرتقالةِ والمَولَويَّة، وكي أغفوَ في حِضْنِ أُمِّي، وأحيا على حُرُوفِ شَهرزاد…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ كي أصيرَ عُصفُوراً ومُنَمْنَمَةً فوقَ كتفِ مُؤنْسِنَةِ إنكيدو شَمخات، ولكي أطيرَ فوقَ البحرِ بحثاً عن سَمَكَةِ موسى التي تفقهُ كيمياءَ الزَّقزقةِ بالفطرةِ وعن ظهرِ قلب…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ كي أصيرَكِ فاطمتي وتصيريني…، ومعاً نصيرُ بُحيرةً للحُبِّ والبَجَعِ، وذاكرةً للبحرِ والنَّوارسِ والزَّيتونِ والبيلسان…، وذاكرةً خامسةً تقومُ فوقَ مائدةٍ فيها رغيفُ خُبزٍ وصحنُ مجدَّرةٍ وكوزُ بندورةٍ على هيئةِ القلب…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ وعينيكِ، كي أرى خُيُوطَ الفَجرِ، وهي تنسجُ همسَها للتِّينِ وعناقيدِ العِنبِ، وللوردةِ التي حملتها يُمناكِ ذاتَ يومٍ لفرحِ عينيَّ، ولسيرةِ البُرقوقِ في سجلِّ أيامي الحزين…!
*****
أحتاجُ وجهَكِ، كي أقرأَ في معلَّقةِ طرفةَ بن العبد:
“لخَوْلةَ أطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهْمَدِ
تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظَاهرِ اليَدِ”، أو أقرأ مليَّاً في ديوانِ مُحمَّد علي شمس الدِّين الأوَّل( قصائدُ مُهَرَّبةٌ إلى حبيبتي آسيا)، فأدرك بأنِّي مازلتُ ذاكَ الكَهلَ المُتعبَ لشدَّةِ تعلُّقِهِ بشقائقِ النُّعمان، وأُدركُ خامسةً بأنِّي أحبُّكِ كما تُحبُّ جِنينُ صباحَها الآتي على صهوةِ اليقين…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ كي تَرَيْ وجهيَ ووجهَكِ في وجهي ودمي، وفي أنفاسِي الحزينةِ المُخَضَّبةِ بدماءِ الشُّهداءِ الصَّاعدينَ من ملحمةِ غزَّة إلى مراقي الطُّمأنينةِ في الفردوسِ الأعلى…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ كي أستطيعَ ترتيبَ ميقاتي معَ الأُرجوانِ والأُقحُوانِ، وَمَع مُقَطَّرِ الزَّعتر، ولكي نُقِيمَ معاً في رُحاقِ الخُبَّيزةِ والزَّيزفُون…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ لأكونَ ذاكَ الفَارسَ القائمَ فَوْقَ الكُهُوفِ والأوجار، ولأُتقنَ مهارةَ مواجهةِ الثَّعالبِ والذِّئابِ، في زمنٍ فَشَتْ فيه ثَقَافةُ الزِّئبقِ والحِرباوات…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ، لأَكتشفَ السَّبيلَ المُفْضِيَةَ إلى التُّوليبِ، ولأَرسمَ خارطةَ الطَّريقِ إلى حيفا ويافا والقُدس، ولأَقرأَ جَيِّداً كيفَ هُزِمَ نابليون بُونَابرت عندَ سُورِ عكَّا…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ، لأَبتَسَمَ حينَ أنهضُ من نومِي، وأكونَ مُسْتَعِدَّاً لمُوَاجَهةِ الأفكارِ السَّوداء، وأنا أَسعَى في مناكِبِها، وأرتقي لقُطُوفِ النَّخلِ والياسمين…!.
*****
أَحتاجُ وجهَكِ، لأَهمسَ في سَحْنَتِهِ الأَنيسةِ: ما أَفسحَ الرُّؤيا حينَ تَسْكُنِينَ جَوهرَها وتفاصيلَها، وتُشرقينَ عليَّ حُبَّاً لا يذبلُ، لا يَشقَى، ولا يَمُوت…!.
*****
أَحتاجُ وجهَكِ كي أرى غزَّةَ تُصَلِّي خلفَ المُظفَّرِ سيف الدِّين قُطز، وتقرأُ في ليلتِها المتوغِّلةِ في الجِهادِ آياتِ سُورةِ الفتحِ، وترقبُ عن قُربٍ النَّاصرَ صلاحَ الدِّين الأَيوبيّ…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ، لئلَّا أنسى صبرا وشاتيلا وتلَّ الزَّعتر، ولكي يعودَ النَّهرُ الباردُ إلى مَجراهُ الأصيلِ بعيداً عن صراعِ الدِّيكةِ الخُلَّبيِّ، وبعيداً عن تَهَاوِيمِ مَضغوطاتِ الكابتغون وخرائطِ المُوسادِ الخبيثة…!.
*****
أحتاجُ وجهَكِ كيْ أعودَ سيرتيَ الأُولى، فأقرأَ فلسفةَ التُّوتِ، وكُنَهَ التِّينِ، ونُورانيَّةَ الزَّيتون، وأقرأَ بمَهَارةِ الشَّوقِ والحَنين سِرَّ صَمْتِ أوديسيوسَ أمامَ فتنةِ الحِياكَةِ التي أَودتْ بِصَبرِ بنيلوبَ إلى حَبَائلِ نَرجسيَّةٍ وَرُوم…!.
*****
أحتاجُ وَجْهَكِ كي أتأمَّلَهُ جَيِّداً، ثُمَّ نقرأ معاً كتابَ الوَصَايا للصَّاعِدِينَ إلى الجَرمقِ والكرملِ والتُّوباد وسلجوق: هُنا كانت فلسطينُ، وهنا ستبقى فلسطينُ، ومن هنا سَنُسقِطُ كامبل بنرمان، وسايكس بيكو، وسنعودُ إلى طيبةَ ودمشقَ وبغدادَ وإسلامبولَ، كما يعودُ الغيثُ من السَّماءِ إلى الأرض…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
15/9/2024م