كتب الاديب الاستاذ مروان الخطيب/ في ذكری المولد المبارك/غَزَّةُ ومولِدُ الرَّسولِ مُحَمَّد “ص”

غَزَّةُ ومولِدُ الرَّسولِ مُحَمَّد “ص”!

في ذكرى وِلادةِ الرَّسولِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، نتذكرُ فحوى الرِّسالةِ التي أتى بها، والتي يقولُ فيها ربُّ العزَّة تبارك وتعالى في سورةِ الأنبياء: ” وما أرسلناكَ إلَّا رحمةً للعالمين”. وَوَفقَ ما قالَ أهلُ العلمِ والفقهِ والتَّفسير، فإنَّ الرَّحمةَ التي جاءَ بها رسولُ الله مُحَمَّد(ص)، هي رحمةُ خيرٍ وأمانٍ وسلامٍ، للبشرِ والشَّجرِ والحَجَر، وغيرُ محصورةٍ ببني الإنسان، وإنَّما هي شاملةٌ لجميعِ العَوَالم المَوجُودةِ في أرض الله تعالى الوَسِيعَةِ والفَسيحَة.
وقد قال بعضُهم في تفسيرِ هذه الآية المباركة: ” يُخبرُ تعالى أنَّ اللهَ جعلَ محمَّداً صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحمةً للعالمين ، أي : أرسلَهُ رحمةً لهم كلِّهم، فَمَنْ قَبِلَ هذه الرَّحمةَ وشكرَ هذه النِّعمَةَ، سعدَ في الدُّنيا والآخرة، ومَنْ رَدَّهَا وجحدَهَا خَسِرَ في الدُّنيا والآخرة، كما قال تعالى في سورةِ إبراهيم: ( ألمْ تَرَ إلى الذينَ بدَّلُوا نعمةَ اللهِ كُفْرا وأحلُّوا قومَهم دارَ البَوار، جَهَنَّم يصلونَها وبئسَ القَرَار).
والمُدقِّقُ في الرَّحمةِ المنسُوبَةِ إلى الرَّسولِ المختارِ مُحَمَّدٍ( ص)، والتي أشارتْ إليها آيةُ الأنبياء، يفهمُ ممَّا قالَهُ العالمونَ، أنَّ مجالَ هذه الرَّحمةِ مرتبطٌ بإقامةِ أحكامِ آياتِ الله تعالى، وما جاءَ به رسولُهُ عليه وآلهِ وصحبه السَّلام، إقامةً تعالجُ مشاكلَ الحياةِ وإشباعَ الإنسانِ حاجاتِهِ العُضويَّةَ والغريزيَّةَ وَفْقَها، وعندَها تسيرُ الدُّنيا ومَنْ فيها على المَضمونِ المُنيرِ الذي أرادَهُ لها خالقُ الكونِ والإنسان والحياة. وعليه، فإنَّ عُمُومَ المسلمينَ معنيُّونَ بما أخبرتْ وأعلمتْ به الآيةُ الآنفةُ الذِّكر. وهذا الفهمُ آتٍ من القاعدة التي قرَّرها (عِلمُ الأُصول ) والتي نصُّها: [ الخطابُ المُوجَّهُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامٌّ لجميعِ الأُمَّةِ إلَّا إذا دلَّ دليلٌ على التخصيص].
وفي السِّياقِ ذاتِهِ نفهمُ، أنَّ غيابَ تطبيقِ أحكام القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرةِ عن حياةِ المسلمينَ والنَّاس، هو بالضَّرورةِ غيابٌ للرَّحمةِ، وحُضورٌ لنقيضِها من الضَّنَكِ والنَّصَبِ والهَلاك. لأنَّ الإنسانَ إذَّاكَ يكونُ عبداً لأهوائه وشهواتِهِ وعبداً لإنسانٍ آخرَ يُماثلُهُ في الاحتياجاتِ والنَّقصِ الفِطْرِيين، ولرُبَّما صحَّ القولُ بأنَّهُ في ذاكَ الواقعِ سيكونَ عبداً مأسوراً في أصفادِ المادَّةِ وتداعياتِها الفتَّاكةِ الخَرُوب.
ولهذا نلحظُ الآياتِ القرآنيَّةَ في تواترٍ معنويٍّ عميقٍ، ومنصبٍّ على إفرادِ الذَّاتِ العليَّةِ بالحاكميَّةِ كي يبقى الإنسانُ آمناً، مطمئناً، وفي سَكَنٍ مُتْرَعٍ بالحُبُورِ والسَّلامةِ والنَّجاةِ والرَّحمةِ التي جاءتْ علامةً فارقةً على نتائجِ تطبيقِ الإنسانِ شريعة ربِّهِ اللهِ تعالى، في حياتِهِ بكلِّ تفاصيلها وبياناتِها.
يقولُ سبحانه في الآيةِ السَّابعةِ من سُورةِ الحَشر: “وما آتاكم الرَّسولُ فخذوه، وما نهاكم عنهُ فانتهوا، واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شديدُ العِقاب”.
وكما هو معلومٌ عند أهلِ اللُّغةِ والتَّفسير، فإنَّ لفظةَ (ما)، الإسم المَوصول، هي من ألفاظِ العُمُوم، ما يجعلُ الآيةَ واضحةً في دلالةِ الأخذِ بعمومِ ما أتى به الرَّسولُ مُحمَّدٌ(ص)، إنْ في القرآنِ الكريم، أو في الوحي الآخرِ الذي بيَّنتْهُ السُّنَّةُ النَّبويَّةُ في أقوالِ وأفعالِ وتقريراتِ الرَّسول عليه أفضلُ الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم. ولعلَّ المُدقِّقَ في الآيةِ، ينتبه إلى قوله تعالى فيها( واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شديدُ العِقَاب)، وهذا ما رأى فيه أهلُ التَّفسيرِ والفقهِ قرينةً على وجوبِ أخذ الحُكْمِ الشَّرعي [ خطابُ الشَّارعِ المتعلِّقُ بأفعالِ العِباد]، على الوجه الذي بيَّنَهُ الشَّارعُ الكريمُ، إنْ في القرآنِ أو في السُّنَّةِ، أو في أيٍّ من مصادرِ التَّشريعِ الأخرى، لأنَّ في عدمِ أخذِ الحُكمِ الشَّرعيِّ من مصدرِهِ عقاباً قائماً من اللهِ تعالى، وسيحلُّ بمَنْ وقعَ في هذه المخالفةِ- الإثم.
وإذا قُدِّرَ لنا أنْ ننظرَ في أحاديثِ الرَّسولِ مُحمَّد، فإنَّنا نقرأ عن النُّعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: “مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى”.
أخرجه الإمامان مسلم والبخاري. ونقرأ أيضاً الحديثَ الذي رواهُ الإمامُ البُخاري والذي جاءَ فيه: “المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يشدُّ بعضَهُ بعضا، ثم شبكَ بينَ أصابِعِهِ”.
والمُتتبِّعُ دلالةَ الحديثين عندَ علماءِ الفقهِ والحديثِ، سيجدُ فهماً واضحاً بوجوبِ نُصرةِ المًسلمِ أخاهُ المسلمَ في حالِ تعرُّضِهِ للكربِ والشَّكوى من سطوةِ الأعداء.
وهنا نُطِلُّ على غَزَّةَ، وما تكابدُهُ وتعاني منه وأهلوها من تسلُّطِ كيان يهود الغاصب، ومن الجرائم والمجازرِ التي يرتكبونها فيها بحق الأطفال والنساءِ والشيوخ، ما أدَّى إلى ارتقاءِ عشراتِ الآلآف من الشهداء، وإلى أعدادٍ مؤلَّفةٍ من الجرحى والمُعَوَّقينَ والمفقودين…، وهنا نقولُ متسائلين: ألا يستوجبُ ذلكَ وَفْقَ ما بيَّنتْ وفصَّلتْ وشرحتْ شريعتُنا الإسلاميَّةُ الغرَّاء، أن تنبريَ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ إلى نُصرةِ غزَّةَ وأهليها، بناءً على الفهم الشرعيِّ للآياتِ الكريمات الآنفة الذكر، وبناءً لفهم أحاديث الرَّسولِ الكريم مُحمَّدٍ “ص”، التي بيَّنتْ لنا أن المؤمنَ للمؤمنِ كالبُنيانِ يشدُّ بعضُهُ بعضاً، ما يوجبُ الوحدةَ العضويَّةَ في كفالةِ الأعضاءِ بعضها البعض، وما يوجبُ أن تنفرَ الأُمَّةُ خفافاً وثِقالاً لوقفِ المذابحِ والمجازرِ في غزَّةَ، والأخذ على أيادي الصَّهاينةِ المجرمين حتى يولوا الدُّبرَ مدحورينَ ومهزومين!.
وإذا قُدِّرَ لنا أيضاً أنْ نقفَ على المدلول الشرعيِّ للجهاد، فإنَّا نقفُ مليَّاً على دلالةِ “جهادِ الدَّفع”، الذي يجعلُ المسلمين في دائرةِ الفرضِ والواجبِ، الأقربُ إلى فلسطين، فالأقرب، حتَّى تنهضَ غزَّةُ من وصبِها ومِحنتِها، ومما تتعرض له من اعتداءٍ إجراميٍّ غاشمٍ، يقوم به الصَّهاينةُ المجرمونَ، ومَنْ يمدُّهم بالعتادِ والرِّجال والأموال والتخاذل.
هذه المعاني العميقة والمستنيرة، من فحوى شريعتنا السَّمحاءِ والفيحاء، نستذكرُها، ونحنُ نعيشُ أجواءَ ذكرى ولادةِ رسولِ اللهِ محمَّد(ص)، والتي تحملنا إلى قولِهِ تعالى الفصل في كل ما تكلمنا عليه.
يقول جلَّ من قائل في سورة آل عِمران: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّه فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. وهنا الكَلِمُ الفصل:
نصرةُ غزَّةَ وأهليها، واجبٌ شرعيٌّ أوجبه الله تعالى على الأمَّةِ جمعاء، فهل من مجيبٍ لنداءِ ربِّ العالمين، ورسولِهِ الكريم…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
14/9/2024م