كتب شاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب /أُضمومةُ حُبٍّ وأملٍ وانتصار
أُضمومةُ حُبٍّ وأملٍ وانتصار…!
قراءةٌ في ديوان( أخضرُ…رغيفُ الفقراء) لِلإعلاميِّ الوَفيِّ بلال يحيى
للشِّعرِ هالةٌ يشتركُ في احتضانِها النُّورانيِّ، القلبُ والرُّوعُ، وله نكهةٌ تستعصي رُحاقيَّتُها على الحسِّ العابر، لتدخلَ أعماق الذَّات البشرية، بتجلٍّ آخر يمتطي صهوة العاطفة الجيّاشة، أو الصورة الأخّاذة، أو الإيقاع النبيل المُفخّخ بألَق معنويّ، يُعتصر حكمة او أخضر نامياً في حضن الأرجوان، وفي جوار شقائق النُّعمان. وقد قيل: «الشِّعر مُبتدأ الأدب وأمّهُ وأبوه»، والأدب إنما سُمّيَ كذلك «لأنه يأدبُ – أي يدعو – الناس إلى مكارم الأخلاق وينهاهم عن قبيحها وهكذا،… فهو دعوة إلى الجميل والحسَن دائماً، وعليه يكون ما يدعو إلى قبيح او أشار إلى مُنْكَر أو زكّى شيئاً لا أخلاقياً ليس أدباً على الإطلاق» على حدّ تعبير الشاعر الإماراتي سالم الزمر في كتابه (طائرُ الشعر).
وإذا قُدِّر لنا أن نقول كلاماً مختصراً على الشِّعر، فإنه الحبُّ والوفاء الصادق، والجمالُ الفطريُّ السَّاكنُ نُسْغَ الدَّوالي، وعذوبة الزقزقة وكُنْهَ الهديل، وسرّ الأصالة والشموخ في الصهيل والنخيل…!.
وثمّة أشعارٌ وأقوالٌ في الشِّعر والشُّعراء، تُؤيّد ما نزعمه ونشير إليه. يقول الفقيهُ الشاعر جميل صدقي الزّهاوي:
«إذا الشِّعرُ لم يَهْزُزْكَ حين سماعهِ
فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ له شِعْرُ»
ويقولُ ابن فتوح كسروان الشاعر شكرالله الجُرّ:
«إنَّ شعراً لم يصطبغْ بدم القلبِ
لشِعْرٌ لم يصطبغْ بالخُلودِ»،
أما الشاعر المصريُّ حافظ إبراهيم فيقول بما يُعتبرُ ردّاً على القائلين بأن أعذبَ الشِّعر أكذبُهُ:
«يا مَنْ توَهَّمَ أنَّ الشِّعرَ أعذبُهُ
في الذّوقِ أكذبُهُ، أزريتَ بالأدبِ»
وفي السّياق نفسه، نقف على قولين للشاعر نزار قباني في كتابه «الكتابة عمل انقلابيّ»، يقول مُبيّناً رسالة الحُبِّ في قلب الشاعر وفي أدائه: «إنّ صورة الشاعر المطبوعة في مخيِّلة الناس. هي صورةٌ خُرافية لإنسان يمتلك طاقة غير محدّدة على الحُبِّ… ويمتلك قلباً يتّسعُ لعشق العالم كلّه». ثم يؤكد حفيد الياسمين الدمشقيّ على رساليّة الشاعر لجهة الالتزام بالقيم الإنسانية والدفاع عنها فيقول: «حين يعجز الشاعر عن إقامة التوازن بين فنّه وموقفه من العالم، فإنَّ عليه ان ينسحب من الشِّعر فوراً. وهذا ما فعله الشاعر الفرنسي رامبو حين وجد أن تجارة الرقيق التي امتهنها تتنافى مع خُلُقيّة الشِّعر، فتوقف نهائياً عن الكتابة».
هذا التقديم، كان لا بدّ منه ونحن نتكلّم على ديوان (أخضرُ… رغيفُ الفقراء) للصديق الأديب والإعلامي «بلال يحيى». ولعلّ الوقوفَ على العناوين التي تضمّنها مولود صاحبنا الوفيِّ والتي منها: (زمن الزّيف، الضوء الأسير، هل تأتي العاصفة؟، رسالة إلى صاحب الميلاد، الألم، جنون، نداء، غُربة، إلى ذاك الظالم، إلى أنتِ، أخضرُ… رغيف الفقراء، رسمٌ على ثلج أسود، أميركا تنتحرُ على أسوار الفلُّوجة… وسواها)، لعلّ هذا الوقوف يمنحنا – ابتداء – صورة عن هواجس صاحب الصوت الآسر، والكلمة الصادقة، والمُلتزم بقضايا أمّته والناس؛ ما يُبيّن لنا تألّق الروح الجمعيّ في ثقافة وأداء «بلال يحيى»، بعيداً عن الأنويّة الضيقة، والخُلَّبيّات التي لا تُذهِبُ عطشاً، ولا تُسْمِنُ من جوع. يقول في (خربشة على دفتر حياتي):
«لا أُصدّقُ أني،/صرتُ في الخمسين،/…، ولديَّ من الحُبِّ،/ ما يكفي نصفَ الدُّنيا،/ وعيناكِ… النِّصفُ الآخَر».
لا شكّ في أن شاعرية «بلال» التي امتلكت العبارة المُفعمة بودق الرؤيا، المُخْضلّة بالعاطفة الآسرة والمعنى العميق، قد حاولتْ أن تُعوّض بهذا الثَّمين الجاذب عن غياب الإيقاعية المعهودة في شعر العرب، وكم تمنيتُ لو أن صاحبنا قد سَوَّر نثائرهُ – القصائد بموسيقانا التقليدية أو الحديثة، حتى يبلغ الألَقُ مداه الأبعد، ومعانيه العميقة الداعية إلى رسالة التّشاركية في الحُبِّ، حيث يُمثّل الشاعر إحدى ركيزتيِّ المشهد، والحبيبة التي رمَزَ اليها بقوله: «وعيناكِ» تُمثّل الركيزة الثانية، ليقوم أمامنا العالم حينئذ مدىً أخضرَ ومُفعماً بالأحمر الورديِّ وبالأمان والسلام والطمأنينة…، لماذا؟…، لأن الحُبَّ قد امتلك ناصية الدّنيا، وتعانقت لأجله القلوبُ المغتسلةُ في أمواهِ عطائه، وفي رحاب صفائه، فعمَّ الخيرُ كلّ أحياز الأرض وبقاعها. هذه المعاني نعثرُ عليها في غير نصٍّ عند صاحبنا، ففي (رجاء) يقول:
«أُسمِّيكِ فرَحي،/ وزمانيَ الورديَّ،/ فلا تتركيني طفلاً،/ تفطمُهُ قيودُ الزَّمنِ الأعشى،/ وتنزُّ في أحلامهِ،/ لبنَ الحجارةِ المنسيّة…!».
إنها أنشودةُ الحُبِّ الذّوبانيّ المُكتمل الوَهْج والفرح باندغام الحبيبين في لوحة السماء والأزرق، ذلك المُفضي إلى امتلاك الأحمر والقدرة على مواجهة القيود، وكلّ أصناف العَمَى التي يمكرُ بها أعداء الأمّة، ليُعيدونا إلى مراحل الاستعمار الكولونياليِّ المباشر، ويسرقوا حرفنا وبلادنا وخيراتنا، وهم يُمثّلون دور الأمّ…!، ومتى كان ضَرْعُ الأمّ حجراً…؟!، ومتى كان الحجرُ منبتاً للحنان، ومَسْرَباً للحليب الطَّهور؟!. لا شك في أنها لُمْعةٌ تصويرية رائعة وموفّقة من «بلال»، استطاع عبر فضائها المخيال، أن يَمُدّ المعنى بطاقة فذّة مُوحية، وتُبيِّن حقيقة الحُبّ العظيم الذي ينشدُهُ صاحب (أخضر… رغيفُ الفقراء).
يقول في النّص الذي عُنْوِنَ به الديوان:
«وأبحثُ…،/ عن سُفنٍ تحملني،/ إلى أرضٍ،/ قالوا إنها حُبلى،/ برغيفِ الفقراءِ الأخضر».
صورةٌ أخرى لهموم المجتمع، يرفعها «بلال يحيى» إلى وعينا وأفئدتنا. ولعلّ دلالة السفن الماخرة عُبابَ البحار، فيها ما فيها، من تشَظٍّ إخصابيٍّ مُمَهَّدٍ لفلسفة ثورية تقوم على رُكْنية الشهادة، من أجل إعادة الحقّ إلى ذويهِ من سالبيه، ومن أجل تخليص الأخضر من الأسودِ والرَّماديّ. لذا نراهُ يُصرِّحُ في النصّ ذاته:
«آهٍ يا صوتي،/ يا سفري المُتْعب، /من أسرهِ العليل،/ أدخلني، ولو لساعةٍ،/ في زهوِ الشهادة،/ وهَدْهدْ أُغنيتي،/ على صراطِ موتيَ الجميل».
حين يصبحُ الموتُ شهادة، والهَدْهَدةُ مَعْبَراً إلى الصِّراط، فإنّ الآتيَ رمزٌ للبراءةِ والنَّجاة والفلاح. هي: الطفولة، الشهادة والصراط. ثلاثيّة التجلّي المُرتقي إلى أدواح العطاء والنّعيم المقيم. وإذا قُدِّر لنا أن نتناول المعنى من باب آخر، فإنّا نقولُ: ها هو «بلال» يطرحُ مُعادلة خالدة في انتمائها إلى مفاهيمنا الفكرية والحضارية: الشَّهادَةُ ليست انتحاراً، بل هي حياة أخرى من أجل الأخضر والاستقامة. هذه المعاني الراقية، مع ذلك الحُبّ الأصيل والنبيل الذي يُغنّي له «بلال يحيى»، يجعل من سِفْرهِ (أخضرُ… رغيفُ الفقراء)، أضمومة شَوْق وأمل وانتصار، وباقة ضمّت في اجتماعها الأريجيِّ: عطاءَ الأحمر، نماء الأخضر، ووفاء البنفسج الذي لم ينس العراق وفلسطين وكلّ البقاع الحزينة في جسد الأمّة المكلوم.
مَروان مُحمَّد الخطيب.