مقال لشاعر الفكرة الاديب الباحث الاستاذ مروان الخطيب /بين رابندرانات طاغور ورفائيل ألبيرتي
بين رابندرانات طاغور ورفائيل ألبيرتي…..!
«حين تقتربُ من طاغور، يُخالجك شعور مَنْ كان في معبد، فتتكلم بصوت خفيض، وأنت تتأمل قسمات وجهه الدقيقة، ونظرات عينيه التي يشعُّ منهما ذكاء مَنْ يُواجه الحياة في ثبات، رغم قسوتها»
-رومان رولان -.
قبل أكثر من مئة وستين عاماً، وبالتحديد، في اليوم السابع من أيار لعام 1861، سقط شهابٌ من الشمس على «كلكوتا» الهندية، فكانت ولادة شاعر وحكيم، وكان بُزوغٌ مُحنّىً بالوقار، يخرج من الضيق والمحدودية، إلى السَّعة والانتشار، حافلاً بالصبر والحُبّ، وبالذّوبان والأنوار…!. كان ميلاد «رابندرانات طاغور»، صاحب الهمّة الموسوعية، والنَّفس العبقرية، والروح الوثّاب إلى القُطوف الشامخة، العليّة…!. فهو الشاعر العملاق، والقاصُّ الرصين، والروائيّ الفَطين، والمسرحيُّ الحكيم، والخطيب المُفوَّهُ والبليغ. وهو الكاتب الحاذق في شؤون: الفلسفة، التاريخ، الاجتماع، السياسة، الثقافة، اللغة، وأدب الرِّحلات. وقد دوَّن في يومياته بعد زيارة إلى العراق، جانباً من حوار مع أحد زعماء القبائل، الذي أسمعه بدوره حديثاً للرسول محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم[ يُخْبِرُ فيه أن المسلم الحقَّ: مَنْ سَلِمَ الناس من لسانه ويده، فعلَّق طاغور على كلام الرسول عليه السلام بقوله: لقد أذهلني ما قاله، لأن هذه الكلمات تُعبِّر عن جوهر الإنسانية!.
وكما جاء في المَثَل: «لكلّ امرئٍ من إسمه نصيب»؛ و(رابندرا) – الذي يعني: الشمس -، كان الإسم الذي اختاره والده له، وعليه، فإنّ طاغور، الذي نشأ ونما في أُسرة تجمع بين الجاه والثروة، لم يتطفّل على أيٍّ من هاتين العطيّتين، بل لعلّه مال إلى «ماهارشيّة» أبيه – كان أبوه متصوفاً، يُطلق عليه لقب «ماهارشي» لما يتمتع به من وقار وحكمة – فتسلّح منها سُمُوّاً اجتماعياً وأخلاقياً، رفعاه في مَدارج التصوف، عازفاً عن المفاتن والبهارج والخُلَّبيات، إلى المَراقي، والأنساغ، والأحلام الرفيعة، البعيدة عن السطحية والابتذال، رغبة في النّماء والعلاء والبهاء، كحال الشمس تماماً.
من هنا يمكن القول: إنّ رابندرانات طاغور، كان سرَّ أبيه، ثم علا أكثر وأكثر، فغدا مدرسة عالمية يمتاح من معينها نُجباء الأرض على اختلاف لغاتهم وأعراقهم. ولعلّ «رفائيل البيرتي»، الشاعر الإسبانيَّ المُقاوم لـ«فرانكو» وللدَّكتاتورية الفاشية، قد تأثّر بفلسفة طاغور، وبرؤاه التي تدعو إلى المحبّة والخير، وروح العطاء، فنراه في قصيدته (دعوة إلى الهواء)، يتجاوز السلبية الجدباء والقفراء، إلى الارتقاء الفذّ، حيث يصبح للوجع ولادةٌ أخرى في طريق إعادة البناء، وحيث يستحيل الظّل إلى فعل، مُغادراً تهاويم الغَبَش والسّديم، والصمت الفاحم والقاتل، إلى دلالة، أُخرى يتربَّع فيها الأخضر، وتترقرق فوق أورادها الأنداء، وتُزقزق في جنباتها الأطيار، وتنتشر في رحابها الأنسام. يقول ألبيرتي:
«أدعوكَ أيها الظِّلُ إلى الهواء،/ يا ظلَّ عشرينَ قرناً،/ إلى حقيقةِ الهواء،/ إلى الهواء، هواء، هواء!».
وهذه المعاني الطاغوريّة، يؤكّد عليها ألبيرتي أيضاً في قصيدة (الملاكُ الطيّبُ)، فيبيّنُ لنا فحوى الحُبِّ السّامي، والمُجرّد من العدميّة والاعتزال والخواء، ناشداً الفعل الذي له رَجْعٌ مُنْبِتٌ، وصدىً مُعَمِّرٌ، وردَّةٌ مُصّاعدةٌ إلى الشمس، والهواء، والبقاء. يقول مُخاطباً حبيبته الضائعة في الخيالات المريضة، وفي «أناها» الذّابل:
«جاءَ ذلك الذي أحببتُ،/ ذلك الذي ناديتُهُ:/ ليس مَنْ يكنس سماواتٍ عزلاوات،/ ونجوماً بلا أكواخ/ وأقماراً بلا وطن/ وثلوجاً،/ ثلوجاً تهطلُ من يد،/ من إسم،/ من حُلم،/ من جبين،/ ليسَ مَنْ ربطَ بجدائلهِ الموت…!» ويُتابع ألبيرتي، واضعاً النُّقاط على الحروف، مُظْهراً ألقَ الحبيب، وصورته التي لا تحتملُ إلاّ معنىً واحداً أوحدَ، قائماً في محاريبِ الخير، والأخضر المعطاء، والبنفسجيِّ الوفيِّ؛ الذي يستحقُّ التضحية، لأنها إذّاكَ، صعودٌ إلى التجلّي الأرحب، وإلى النّورانيّة التي تُبدِّد الظنون والسقوط والعتمات القبيحات…!. ويُردفُ صاحبنا صارخاً:
«إنّما الذي أحببتُ،/لا يخدشُ الهواء،/ لا يجرحُ الأوراقَ…،/ ذلك الذي ربط بجدائلهِ/الصّمت،/ ليحفرَ – دونَ أن يجرحني -،/ شاطئاً من نورٍ عذبٍ في صدري،/ وليجعلَ روحي،/ صالةً للإبحار». إنَّ الحُبَّ الذي نادى به طاغور، وترسَّم خُطاهُ ألبيرتي، لهوَ حُبٌّ ملائكيٌّ يرقى بابنِ الطّينِ إلى نيرفانا الذّوبان، فتُشرق الحياة – آنئذٍ – بوجهٍ آخر، قسَماته الوفاء، والنّقاء، والصفاء؛ وهُويّته الشمس والنّور والضياء؛ وفجره، وظهيرته، وأصيله، ومساؤه، الكونُ والانسان والحياة!. وهو حُبٌّ يجعل الانسان مُفكِّراً، وصاحب قضيّة، ويرفع شأنه فوق الجوامد الباهتة، والنّوابض الزّاحفة، فيناضل بهمّة تعلو سُمُوَّ الأطيار، وترقى فوق عناد السّنديان!. هو حُبٌّ مُقاومٌ، أبيّ، شجاع، وصَبُور…!. يكرهُ الكذب، والنِّفاق، والرماد، والزِّئبق، والخديعة؛ وله ثبات الأعلام، والجبال الرّاسيات…!.
هو ذاك الذي قال عنه طاغور: «الحُبّ يلمعُ كلؤلؤة في ظلام القلب البشريّ». وهو نفسه الذي قال فيه ابنُ ماهارشي ذاته: لا تستطيع أن تمنعَ عبير زهرةٍ، حتى ولو سحَقْتَها بقدميك!.
وبعد: فلنرفع قلوبنا، ونواظرنا، وأكُفَّنا، إلى السماء، نُردّد أدعية جاد بها قلب طاغور المُحبّ، فكانت أيقوناتٍ، نوابض بالعشق والرحمة والحكمة البالغة…!.
«يا ربّ…!، لا تجعلني جزّاراً يذبح الخراف، ولا شاةً يذبحها الجزّارون، ساعدني على أن أقول كلمة الحق في وجه الأقوياء، ولا أقول كلمة الباطل في وجه الضعفاء، وأن أرى الناحية الأخرى من الصورة، ولا تتركني أتّهم أعدائي في الرأي بأنهم خوَنة…!.
يا ربّ…!، إذا أعطيتني مالاً، فلا تأخذ سعادتي وعقلي، وإذا أعطيتني نجاحاً فلا تأخذ تواضعي، وإذا أعطيتني تواضعاً، فلا تأخذ اعتزازي بكرامتي!. يا ربّ، إذا جرّدتني من الصحة فاترك لي نعمة الإيمان، وإذا أسأتُ إلى الناس، فاعطني شجاعة الاعتذار، وإذا أساء ليَ الناس، فاعطني مقدرة العفو، وإذا نسيتُكَ فلا تحرمني يا ربّ من عفوكَ وعطفكَ وحلمكَ، فأنت العظيم، القهّار، والقادر على كلّ شيء!.
يا ربّ…!، علِّمني أن أُحبَّ الناس كما أُحبّ نفسي، وأن أُحاسب نفسي كما أُحاسب الناس، وعلِّمني أنّ التسامح من أكبر مراتب القوة، وأن حُبّ الانتقام هو أوّل مظاهر الضَّعف، فلا تدَعني أُصَبْ بالغرور إذا نجحتُ، ولا باليأس إذا فشلتُ، بل ذكِّرني دائماً، أن الفشل يسبق النجاح، وإذا جرّدتني من النجاح فاتركْ لي قوة التغلُّب على الفشل!».
…، إنها بحقّ، لُمَعٌ ساميةٌ، رفيعة، وأفكار جامعة، منيعة، ورؤىً تحتاج إليها النّفوس العالية، لترتفع أكثر، وتحتاجها أيضاً، تلك الأرواحُ الضائعة، لتجدَ طريقها وسبيلها إلى النُّور والحياة…..!.
مَروان مُحمَّد الخطيب