كتب الإعلامي د. باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت :* *السداسية … لإنقاذ مسار الخماسية …*

 

*تمرُّ الأيام ، بل السُنون على إفراغ رئآسة الجمهورية من مضمونها ، وما تمثل من موقع الثقل والتوازن بين السلطات ، وموقع التمثيل الشامل لكل اللبنانيين ، والصورة التي يتصَدَّر بها لبنان أمام العالم ، بما يمثِّله من وحدةٍ للوطن والمواطنين ، وما يعكِسُه للتضامن والعيش المشترك ، الذي تتآخى فيه جميع الطوائف والمذاهب والفئآت اللبنانية ، ليكون التمثيل في هذا المنصب للجميع ، وليس لفئة دون الباقين ، وعليه يستوجب أمر الإنتخاب ، أن يأتي بصيغة التوافق والحوار والتفاهم ، فيكون الرئيس العتيد على مستوى المركز والوطن وكافة فئآت الشعب …*
قد ينبري البعض ليقول : وماذا يعني الإنتخاب؟؟؟ وإختيار من يحصل على الأغلبية ، في بلدٍ مبنيٍّ على مبدأ الديموقراطية ، وتحقيق رضا الأغلبية العددية في مجلس النواب ، وهم بدورهم يمثِّلون الشعب على كافة الأراضي اللبنانية ؟؟؟ وقد تطول عملية التساؤل لتطال الفئآت التي ترشح الشخصيات لهذا المنصب ، أو الأشخاص الذين يتقدمون بالترشيح وطرح رؤياهم للبنان الجديد ، الذي يرسمون خارطته ، على أساس غير طائفي ، يمهِّد لدولةٍ مدنيةٍ بعيدةٍ عن التأثير الطائفي ، حيث تتمركز فيه العقدة الكبرى ، بكيفِيَّة عدم التوزيع العادل للمناصب والمكاسب ، والتوظيف الذي لا يخلو من الإجحاف بفئآت لحساب التمايز … عن فئآتٍ محظيَّةٍ أخرى ، قد درجت عليه المنظومة السياسية في تعاطيها مع كل الأمور والشؤون التي تهم الشعب وحاجاته ، ليتعاملون بها على أساس الغنائم والمكاسب ، وليس الخدمات والمسؤوليات في الإنماء المتوازن ، والعدالة الإجتماعية ، والرؤيا المستقبلية ، لوطن الوحدة والعيش المشترك …
*هذه العلّة التي تكمن في نفوسِ البعض، والأنانية التي تغمرُ عقول من يحمل في صدره الحقد والبغضاء الحزبيّ أو الطائفيّ أو المذهبي ، تجده حجر عثرةٍ في تقرير المصير ، وفي التقارُب بالأفكار والتجانس في الطروحات ، التي تضع ، القطار على السِّكَّة الصحيحة في تدبير الأمور ، وفي إيجاد المخارج لحلِّ هذه المعضلة ، المتعشِّشة في عقولهم وأفكارهم ، التي تجنح نحو الشخصانية حيناً ، والعصبيَّة أحياناً ، لترى نفسها فقط دون الآخرين ، وهم لا يستحِقُّون أن يتَبَوأوا المسؤوليات ، التي تحمِل هَمَّ الوطن والمواطنين…*
هؤلاء الذين يفكِّرون على مدى أنوفهم ، ولا يتطلَّعون إلى أكثر من مصالحم ، في ظل ما يدورُ حولهم وحول الوطن ، من حروبٍ ومآسي وتغييرٍ في البُنية الأساسيَّة للأوطان والبلاد المحيطة ، وفق خارطة الطريق لشرق أوسط جديد ، بينما هُم غارقون في تحديد جنس الملائكة ، والتفتيش عن مركزّ هنا ، ومَنصبٍ هناك ، لتمتدَّ أياديهم العابثة ، فتطال منها المكاسب والمغانم الجديدة ، التي تدعم مراكز القوة لديهم ، لمصارعة الآخرين على زاروب أو شارع جديد ، يضاف إلى حساباتهم الإنتخابية ، أو سطوتهم الحزبية ، ليفرحوا بعدها بما جَنَت أياديهم ، وبالاً على البلد وشعبه ، والمزيد من المآسي التي تطال الجميع …
*هذه الصفات ، وهذه الترَّهات التي يمارسونها ، أكان قصداً وعمداً لأنها مطلوبة منهم ، أو كانت أصلاً عندهم ومتأصلة في تعاطيهم السياسي ، على هذا المستوى غير المسؤول ، أو هذا النمط ، الذي يضعهم في قمقُم الحقد الطائفي والمذهبي والحزبي ، ويريدون لبنان على قياسهم الصغير ، وحجمهم القزم ، وتفكيرهم الأنفي ، الذي لا يستوعب إلا الأنا أو لا أحد …*
هذه الفلسفات هي التي جعلت الأبواب مفتوحة لكل المجالات ، ولكل الدول الأخرى المعنية بتسوية المنطقة ، والتي تنشط على إتمام المرحلة الأخيرة من خارطة الطريق ، لتتدخل في الشؤون اللبنانية ، التي باتت تشَكِّل عائقاً لهذه التسوية ، وتشكِّل ضرراً في المسيرة ، التي تنحو بها هذه الدول ، وخاصَّةً التي أُطلِق عليها تسمية اللجنة الخماسية ، وهي تتشكل من : *أميركا وفرنسا والسعودية ومصر وقطر* ، وقد غاصت معهم في مناقشاتٍ عقيمةٍ ومباحثاتٍ مستدامةٍ ، لتجد هذا المستوى الهابط من التعاطي المسؤول ، لذا إمتلكت زمام الأمور ، وباتت هي المفتاح الحقيقي والأكبر لبوابة الحلِّ ، والإتيان بالترياق والخلاص من الخارج ، ومعها تكون المساعي والمشاورات والمقررات ، بما يتماشى مع مصالحها بالمنطقة ، وما يتماشى مع خارطة الطريق ، التي يعملون لها جاهدين بإنهاء التسوية ، عبر توزيع المغانم والمكاسب لهم ، ومن ضمنها لبنان ، الذي يضاف إلى التسوية ، بما فيها المنظومة السياسية ، التي فرزت الشعب اللبناني على قياسهم ، ليكون لقمةً سائغةً في وليمة الطبق الشهي للتقسيم في خارطة الشرق الأوسط الجديد …
*اللجنة الخماسية من الدول المعنية بتسوية المنطقة ، هي نفسها التي تتابع تسوية الوضع في فلسطين عامةً ، وغزَّة خاصة ، حيث توصَّلت أخيراً لمخرجٍ تمَّ بالرضا والقبول ، من جميع الأطراف وعلى مستوى عالمي وعربي ومحلِّي ، وذلك لإنهاء حربٍ ضروسٍ جاءت بنتائج كارثيَّةٍ بالقتل والتدمير والتخريب ، قد أوصلت إلى الإبادة الجماعيَّة ، والأرض المحروقة والمسحوقة لقطاع غزة ، كما جاءت عبثيَّةٍ للكيان الغاصب والمحتل ، داخلياً : فيما بينهم وبين حكومتهم وأركان جيشهم ، وخارجياً : بإنقلاب الصورة عليهم وعلى السامِيَّة ، التي باتت لعنتهم ، بعد أن كانت لعبتهم ، إضافةً إلى أحكام المحكمة الجنائية الدولية ، ومحكمة العدل الدولية ، والأهم من ذلك إثارة شعوب وطلاب العالم ، الذي كشف ألعابهم وحقيقة إفتراءآتهم ، فجاءت التسوية أخيراً لوضع حدٍّ لفضائحهم ، ولعبت اللجنة الخماسية دورها في التفاوض وإيجاد الحل ، تمهيداً لتمرير الفصل الأخير من التسوية في المنطقة ككل …*
إن لبنان ، وما يدور في جنوبه ، من مشاهد الحرب المعكوسة على غزَّة ، وطوفانها الذي أقصى البحث بالإستحقاق الرئآسي اللبناني ، تحت تأثير وحدة الساحات ، والإنشغال بما يدور على الساحةالجنوبية ، من حرب إستنزافٍ تطال مناطق أخرى بالقصف والإغتيالات ، فتجعل من اللجنة الخماسية معنيَّةٌ بها ، وبترسيم الحدود مع فلسطين المحتلة ، وإيقاف هذا النزف ، ليدخل في تسويةِ المنطقة ، التي ستأتي بنظامٍ جديدٍ يقوم على التوزيع الطائفي والمذهبي والعنصري ، كما رسمته خارطة الطريق ، وعليه يكون البحث في الإستحقاق الرئآسي ، وعلى أيِّ شكلٍ ، وأيِّ لونٍ ، وأيِّ طعمٍ تكون وليمته ، وبعد أن ينتهي الطباخون من إتمام وإستواء طبختهم للمنطقة ومنها لبنان حيث تدخل فيه معطيات جديدة حسب الواقع الجنوبي بالتسوية مع الحزب كما تمت التسوية في غزة مع حماس …
*لذا فإن إيران ستدخل على خط التسوية ، حيث قرار الحزب عندها ، بموجب إعتماد قاعدة ولاية الفقيه ، ولتصبح المشاورات والمفاوضات ، ضمن اللجنة السداسِيَّة ، التي تشمل حينها إيران ، حيث يكون المَخرجُ والحلُّ بلبنان ، من خلال البحث بسلةٍ واحدةٍ لتسوية الوضع اللبناني ، بدءاً من ترسيم الحدود البرِّية الجنوبيَّة إستكمالاً للبحريَّة ، إلى إستحقاق إنتخاب رئيسٍ للجمهوريَّة ، إلى صيغة النظام اللبناني الجديد ، إلى توزيع المغانم والمكاسب الشعبويَّة والرسميَّة والفئويَّة ، على كامل الأرض اللبنانيَّة ، التي تدخل ضمن خارطة الطريق ، وتسوية المنطقة ككل في صفقة القرن ، والتي تسعى إلى تنفيذها الصهيونية العالمية ، وتشرف عليها تسويتها أميركا وأعوانها ، ويكون لبنان قد نال قسطه للعلا من هذه التسوية ، بعد إدخال إيران على خط التسوية ، للمساهمة بإيجاد الحلِّ وإرضاء شريحةٍ كبيرةٍ من اللبنانيين فيه ، خاصةً وأنها تتحكَّم حالياً بمفاصِل عديدةٍ من مقوِّمات الدولة ومؤسَّساتها وأجهزتها المؤثِّرَة بمراكز القرار ، فتكون اللّجنة السُداسيَّة ، هي العامِلُ الأسَاسِيّ لإنقاذ تعثُّر اللّجنة الخُماسِيَّة…*