قصيدة لشاعر فلسطين الاديب الاستاذ مروان الخطيب/هُنَا غَزَّة..وكتابٌ حُرِّرَ بِمِدادِ الانتصار

*هُنَا غَزَّة..وكتابٌ حُرِّرَ بِمِدادِ الانتصار…!*

 

مرَّةً سَابِعَةً،
يتأمَّلُ الأُفُقَ الرَّخيم،
ويُنادي غَزَّةَ بقلبٍ مجروح:
ها نحنُ نقرأ أسفارَنا آياتٍ من زُمُرُّد وجُلَّنار،
نقرأ الماضي مَرمَراً،
والحاضرَ،
كأنَّهُ شقائقُ النُّعمان،
ونقرأ الآتي،
أكاليلَ قَرَنْفُلٍ،
وأضاميمَ وَردٍ،
وسُكُوباً من تراتيلِ الحَبَقِ والبنفسج،
ونمشي على حَوَافِّ القهرِ،
معنا قميصُ يُوسفَ منزرعاً في مواقيتِ الغار،
وفي آفاقِ وأمداءِ الرُّؤيةِ والإبصار،
ومعنا رحيقُكِ غَزَّةُ كهالةِ الدَّردار،
وأمامَنا مِقصلةٌ نازيَّة،
وقنابلُ الطُّنَّينِ آتية من واشنطنَ لحرقِنا،
لكنَّ أشلاءَ الأطفالِ في جباليا والشُّجاعيَّة،
أرفعُ مقاماً من النَّار،
وأعلى ركناً،
من صليلِ الانتحار…!.
ها نحنُ على بُعدِ فَرسَخينِ من رُوما،
وعلى بُعدِ أمتار،
من لون البحرِ المُكَرَّزِ بدمنا،
وننتظرُ قامةً،
تصَّاعدُ من المِلحِ،
إلى مقاماتِ الأنوار،
…، ومازلنا نكتبُ أحلامَنا،
ولمْ ننسَ وَصَايَا الأفذاذِ الأبرار،
وشَهْقَاتِ المَوجِ في بَحْرِ غَزَّةَ،
وَسِيرَةَ التُّوليبِ في شَاهِقَةِ بني عُثمَان،
كما لمْ ننسَ الرُّؤيا الكُبرى،
وفلسفةَ الكونِ والإنسانِ والحياة،
وكيفَ يعيشُ المَرءُ وفيَّاً،
للفكرةِ العُليا والأسمى،
فيكونُ أبا عبيدةَ الصَّفِيَّ،
والأبيَّ والمغوار…!.
مرَّةً سابعةً،
نرفعُ إلى السَّماءِ أنينَ الأطفالِ والأشلاء،
ونكتبُ لغَزَّةَ نشيدَ الصُّبحِ الفردوسيِّ،
ولنا الحقُّ مُتَوَّجاً بعراقةِ الأخيارِ الأغيار،
في الصُّعودِ إلى الشَّمسِ والنُّجُومِ والأقمار…!،
…، ولي أن أراكِ عائشتي،
لؤلؤتي الشَّفيفةَ،
وقِبلةَ فؤادي إلى زمانِ الحُبِّ المرتجِّ روعةً،
من ضفافِ ستندرا،
إلى ذاكرةِ الدَّمِ السَّفيحِ في غزَّةَ وصبرا وشاتيلا والتَّلِ الزَّعترِ، والنَّهرِ الباردِ الحزين،
ولي أنْ أكتبَ لكِ مُعَلَّقةَ المجدِ،
سابحةً من زعترِ بُخارى،
إلى المَنِّ والسَّلوى المعلَّقِ بشهدِ نينوى وبغداد،
ولي أن أتذكرَ ابن جيكورَ،
وقصائدَ الشَّوقِ إلى حبيبته التي عالجتْ قلبَهُ ذاتَ وجعٍ منتفضٍ فَوْقَ سَريرٍ في إحدى مستشفياتِ بيروت…،
ولي يا فاتنتي أن أعبرَ من قلبِكِ إلى قلبي،
ومن قلبي إلى قلبِك،
فنقرأ معاً ملحمةَ جلجامشَ،
وكيفَ زادَ الحصارُ طروادةَ عِناداً، واتساعاً مُعلولياً في هِمَّتِها الصَّعُودِ إلى جنائنِ الفجرِ والبُرتقال…!،
ثُمَّ نقرأ معاً أثرَ شمسِنا في قشتالةَ وملحمةِ السِّيْدِ ” التي تحكي مآثرَ البطلِ القشتالي دون ردوريجو دياث دي فيفار”، ونتذكَّرُ معاً ما قالته وأكدته الباحثةُ الإسبانيَّةُ،
وأستاذةُ الدِّراساتِ العربيةِ والإسلاميةِ دولوريس أوليفر في كتابها (ملحمة السِّيْد: عربية المنشأ والتأليف)،
وهُنا نسبحُ يا حبيبتي إلى مغارةِ علي بابا، ونرى ما لا يراهُ الآخرون،
نرى “كامبل بنرمان”،
تعلو جشعَ الأساطيلِ المحتشدةِ في البحرِ، شرقيِّ المتوسط،
ولا ننسى إذَّاكَ وعدَ بلفور، وسايكس بيكو،
وكلَّ الرِّغابِ الاستعماريَّةِ في بلادنا سعياً للنَّهبِ والسَّرقةِ، وفعلاً استباقياً كي لا تعودَ عقيدةُ التَّوحيدِ سيِّدةَ الزَّمانِ والمكانِ والإنسان…!.
مَرَّةً سابعة،
أُطِلُّ عليكِ نشيداً وابتهالا،
وكُوَّةً تختزلُ المُحالَ،
وأفرشُ ضُلوعيَ جِسراً لعبورِكِ الشَّجِيِّ منَ الغابةِ السَّوداءِ وباريسَ إلى حُروفي واشتهائي،
وأتذكرُ أراغونَ،
وكيفَ طابَ له أن يكونَ مجنونَ إلسا،
وأتذكرُ شاعرَ براغ، فلاديمير هُولان،
وكيفَ خرجَ من قتامِ التَّشاؤمِ إلى فضاءِ الشِّعرِ ورحابةِالأملِ والحُب،
ثُمَّ أعودُ إليكِ غزَّةُ،
فيضاً من الشَّمس،
وبينَ جنباتي كتابُ شافعيِّكِ (الأم)، وأضمومةٌ من أشعارة الزاهيةِ البهيَّة، ومنها قوله:
” كُنْ عن هُمومِكَ مُعرِضاً
واكلِ الهُمومَ إلى القضا
أبشرْ بخيرٍ عاجلٍ
تنسى به ما قد مضى
فلَرُبَّ أمرٍ مُتعِبٍ
لكِ في عواقبِهِ رِضا
اللهُ يفعلُ ما يشاءُ
فلا تكنْ مُتَعَرِّضَا!”،
وإذَّاكَ تنظرُ إلى غزةَ بعينيِّ فقيهها الأكبر وعالمِها النِّحرير،
فترى ما لا يراهُ العَدَمِيُّون،
وترى،
ثُمَّ ترى فجراً يُحَلِّقُ في مدارِ الشَّمس:
هنا غزَّة،
وكتابٌ حُرِّرتْ كلماتُهُ وأفكارُهُ بمدادِ الانتصارِ والخُلود…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
17/12/2023م