إنّ «وهم السّلام» الذي تعِد به إسرائيل هو سلام مبنيّ على فكرة التفوّق والهيمنة والتبعيّة، لا على فكرة الندّية والعدالة والمساواة. لذا، ليس هناك أي بادرة أمل لتحقيقه مع إسرائيل. فمن ناحية، إنّ إسرائيل غير مستعدّة للقبول بحلّ الدولتين، ولا حتى القبول بحلّ الدّولة الواحدة. فلو كانت راضية بحلّ الدّولتين، لكان تحقّق التّقسيم منذ عقود من الزّمن، وذلك لأنّ هذا الحلّ سيجبرها على التخلّي عن الكثير من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة للفلسطينيين، وعن مستوطناتها المزروعة في الضّفة. كما أنّ إسرائيل لن ترضى بحلّ الدولة الواحدة التي ينعم فيها الشّعبان بحقوق متساوية، وذلك لأنّ هذه الفكرة تناقض مبادئ الصّهيونية الأساسيّة.
فكيف يمكن إقامة سلام مع طرف غير راغب فيه أصلاً، ويعتبره تهديداً وجودياً له، وسط محيط شعبي رافض له؟
وهل يمكن التّصديق بأنّ إسرائيل هي هذا الجار «الطيّب» الذي يبشّر العرب بسلام «يخرج من رماد القتلى والشّهداء»؟ وما الفرق بين ما تقوم به إسرائيل اليوم من قتل وإبادات جماعيّة وبين قصف غزّة بالقوّة النوويّة؟
لقد أصبح جليّاً للجميع أنّ إسرائيل لا تريد أقلّ من إبادة الشّعب الفلسطيني، وأنها لا تفكر قطّ في السّلام، وقد أثبتت نيّتها الشرّيرة عبر أقوالها ومخطّطاتها، فأيّ سلام يتحقّق عن طريق الحروب والقتل والدّماء؟ وأيّ سلام ننشد عندما يعتبر المخطّط الصّهيونيُّ، الفلسطينيَّ والعربيَّ – «حيواناً بشرياً»؟
وكيف يمكن أن نتوقع إحلال السلام مع كيان لا ينظر إلى الضحايا الفلسطينيّين كبشر لهم أسماء وسير حياة، أو أي مظهر من مظاهر تقدير الإنسانيّة والتفرد الشّخصي؛ بل يذكرهم كأرقام تقريبيّة وإنجازات يضيفها إلى سجلّه الملطّخ بالجرائم والدّماء؟ ومن يقنع الوالد الذي استصدر شهادة ولادة ووفاة ابنه بفارق ساعات، أن يصافح من قتل ابنه ويعيش معه تحت سقف واحد؟ وكيف يمكن لشعب تعرّض لشتّى أنواع التّعذيب والقهر، والذلّ والتّشريد، أن يتصالح مع من مارس عليه ساديّته ووحشيّته، ويتقاسم معه رغيف خبزه، ثم ينام قرير العين؟ فما نامت عيون الجبناء…
وحتى لو حصل ذلك، هل يستطيع أحد محو الذّاكرة الجماعيّة وصفحات التّاريخ، واستبدالها بقصائد شعريّة عن «الإبراهيمية» و«الشرق الأوسط الجديد»؟ أوليست إسرائيل التي ترتكب أعتى وأعنف حرب إرهابيّة في فلسطين مستهدفة بشكل أساسي «الأطفال» أي أجيال المستقبل هي «صانعة الإرهاب»؟
وحده «الصّمود» مع المقاومة وبندقيّتها هو الذي سيكتب التّاريخ.
إيمان درنيقة الكمالي

* أستاذة جامعيّة