نفَّاعٌ ومتقاعس لا يستويان / بقلم الشيخ أسامة السيد/ الشراع

الشراع 5 تشرين اول 2023

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شىءٍ وهو كَلٌّ على مولاه أينما يُوجِّههُ لا يأت بخيرٍ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم} سورة النحل.

لقد تضمَّن القرآن الكريم العديد من الأمثلة الراقية ولا يخفى ما للأمثلة من وقعٍ عظيمٍ في النفس وأثرٍ كبيرٍ في تقويمها ومن اعتبر بأمثلة القرآن استقام وحمل نفسه على جادَّة الصواب، وجديرٌ بالغوَّاص في بحور العلم أن يقف عند هذه الأمثال ليستفيد منها ويستمد من معانيها الحكم والمعارف التي تنير له الطريق لبلوغ المراتب العالية. وبالنظر في الآية المذكورة نقول: يدرك كل عاقلٍ أنالسلامة كل السلامة في التمسك بما جاء به النبي  محمدٌ صلى الله عليه وسلم والكيِّس من أحسن في هذه الدنيا العملَ واتخذ من كتاب الله تعالى إمامًا فعمل بمقتضاه وتأمل في أمثاله وأحكامه ومواعظه ليستفيد من ذلك بما يكون ذخرًا له في الدارين فإن الله تعالى يقول:{إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم ويبشِّرُ المؤمنين الذين يعملون الصَّالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} سورة الإسراء. فلا طريقة أقوم من الطريقة التي أرشد إليها القرآن الكريم ولا نهج أسمى من نهج سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

ومن أراد الفلاح طرح عن نفسه ثوب الخنوع والكسل والتقصير في القيام بحقوق الله وحقوق الخلق وسعى في دنياه جاهدًا للسلامة في أخراه، فهو يُدرك أن الدنيا دار ممر وأنها محل امتحانٍ واختبارٍ، قال تعالى:{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا} سورة الملك. والابتلاء الامتحان والاختبار للعباد وإظهاره للخلق فيمتاز الصَّالحُ من الفاسد والطيبُ من الخبيث والله عالم في الأزل بأحوال العباد. وحيث إن الدنيا دار عمل فلينظر أحدنا ماذا يعمل فقد روى البخاري عن سيدنا علي بن أبي طالبٍ عليه السلام أنه قال: “ارتحلت الدنيا مدبرةً وارتحلت الآخرة مقبلةً ولكل واحدةٍ منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عملٌ ولا حساب وغدًا حسابٌ ولا عمل” فما تعمله اليوم تجزى به غدًا وأفاد كلام سيدنا علي عليه السلام أن منتهى الأمر الآخرة لا  الدنيا.

ارقَ بنفسك

وبالتالي فإن من كرُمت عليه نفسه لا يرضى أن يكون كالرجل الأبكم الذي ضُرب مثلًا في الآية، والأبكم هو الذي ولد أخرس فلا ينطقُ ولا يفهَمُ ولا يُفهمُ،  كل أبكم أخرس وليس كل أخرسٍ أبكم، إذ من طرأ عليه الخَرَس بعد النطق هو أخرسٌ لا أبكم. وقوله تعالى وهو كلٌّ على مولاه والكَلُّ الثِقْلُ، أي هو ثقيلٌ على من يلي أمره ويعُوله، وقيل: الكَلُّ الغِلَظ. يقال: كلَّ اللسانُ إذا غلُظ فلم يقدر على النطق، وكَلَّ فلانٌ عن الأمر إذا ثقُل عليه فلم يقم فيه. ومن كان هكذا حاله كان عبئًا على سيده الذي يعُوله أي يُنفق عليه، فهو لا يهتدي لتدبير مصالح نفسه ولا لرعاية مصالح الناس حيثما يُرسله صاحبه ويصرفه في حاجةٍ لم ينفع ولم يأت بنُجحٍ، فلا يستوي أبدًا من كان هذا حاله مع من يأمر بالعدل وهو سليم الحواس نفَّاعٌ مع الرشد والاستقامة فهو يأمر الناس بالخيرفيحثهم على المعروف وينهاهم عن المنكر وهو في نفسه على صراطٍ مستقيم أي على طريق الحق الذي لا ينبغي أن يُنحرف عنه. قال الله تعالى:{وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السُّبل فتَفَرَّقَ بكم عن سبيله} سورة الأنعام. وعن عبد الله بن مسعودٍ قال: “خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوطًا عن يمينه وعن شِماله وقال: هذه سُبلٌ على كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو له ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السُبُل فتفرَّق بكم عن سبيله”. رواه الحاكم. فالسُبُل الملتوية هي الضلالات،والسبيل الحق هو الصراط المستقيم.

وفي “لباب التأويل” للخازن: “وقيل كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن (أي الكامل) هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، والكافر هو الأبكم الثقيل الذي لا يأتي بخير، فعلى هذا القول تكون الآية على العموم في كل مؤمنٍ (أي كامل الإيمان) وكافرٍ”. فالمؤمن الكامل هو الذي يأمر بالعدل والآمر بالعدل إنما يكون عالما قادرًا على الأمر والنهي مستقيمًا في نفسه حتى يتيسَّر له ذلك ويقع كلامه موقع القبول في نفوس الناس، والكافر هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخيرٍ ولا يأتي به وهو تائهٌ في بحرِ الظلماتوفي “تفسير السّمعاني” عن ابن عبَّاسٍ قال:”الآية في رجلين بأعيانهما أما الأول فهو أسيد بن أبي العيص وقوله ومن يأمر بالعدل هو عثمان بن عفَّان وكان عثمان يأمره بالإسلام فلا يُسلم”. وفي هذا دليلٌ على فضيلة هذا المؤمن الذي هذَّب نفسه بالتزام الشرع فجعل القرآنَ إمامًا والحديثَ دليلًا وجعل الشريعةَ منهاج حياته، وهذا هو السبيل الصحيح لحلِّ الخلافات والخصومات ومعالجة الأدواء التي تفشت في البلاد والرُّقي بالنفس نحو المعالي، وحريٌّ بالتالي أن يدأب أحدنا في الثبات على الصراط المستقيم والأمر بالعدل وعدم الخروج عمَّا حث عليه الكتاب والسنة ولا يستوي الأبكم الثقيل مع الفصيح الناطق بالحق ولا العييمع المفهم.

وإن كل ذي لبٍّ يربأ بنفسه أن يكون مثلَ الرجل الأبكم الذي لا يقدر على شىءٍ، ولا يرضى لنفسه بالذل والهوان ولكن يُجاهد نفسه لتنقاد له فإن مجاهدة النفس شفاؤها ويقهر هواه في مواجهة شياطين الجن والإنس فإن التعب في طاعة الله في أيامٍ قليلةٍ هو دليلُ الفوز بالسعادة الأبدية في أيامٍ طويلةٍ، ومآلُمن استقام في الصراط المستقيم الجنةُ ومن أراد الله به خيرًا وفَّقه للتوبة فنقله من ذل المعصية إلى عزِّ الطاعة وقد خلقَنا الله تعالى لعبادته فقال عزَّ وجلَّ:{وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون} سورة الذاريات. قال أبو حيَّان في “البحر المحيط”: “وقال علي وابن عبَّاس: إلا ليعبدون إلا لآمرهم بعبادتي وليُقرُّوا لي بالعبادة”.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

مجلة الشراع