لا يحتاج المراقب الى جهد كبير لمعرفة حقيقة ما يدور وما آلت اليه الاتصالات بشأن الحوار وتحريك الملف الرئاسي وإنجاز الانتخابات الرئاسية.

ويكفي التوقف امام تجدد السجالات بين حركة امل والتيار الوطني الحر ، للإشارة الى ان ما كان التفاؤل بإمكان الخروج من حالة الشغور الرئاسي لن يؤدي الى احداث خرق ما اقله في هذه الفترة .

وابرز ما يعبر عنه تجدد السجالات بين الطرفين المشار اليهما هو ما يلي:

أولاً: ان ما كان تردد عن قبول التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل بالمشاركة في الحوار الذي دعا اليه الرئيس نبيه بري لمدة سبعة أيام قبل الذهاب الى عقد جلسات متتالية للمجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية ليس وارداً ،او انه سقط نتيجة اعتبارات او حسابات مستجدة لصهر الرئيس السابق ميشال عون.وهذا الامر أي عدم مشاركة التيار في الحوار يعني ان ثمة مقاطعة واسعة لا بل شبه شاملة من قبل الكتل النيابية المسيحية رغم المواقف  المرنة والايجابية إزاء دعوة بري التي اعلن عنها البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي والذي تعرض بسببها لانتقادات مباشرة وغير مباشرة من بعض أعضاء حزبي القوات اللبنانية والكتائب.

ثانياً ان السجال او تجدده بين التيار الوطني الحر وحركة امل ، يشير ضمناً الى ان ما كان متوقعاً من نتائج في الحوار القائم بين حزب الله والتيار الوطني الحر لم يصل الى ما كان مرجواً منه من قبل الطرفين ، خصوصاً وان ما يطرحه التيار بالنسبة للامركزية الإدارية التي وافق الحزب حسب معلومات “الشراع” على السير بها يتجاوز في تفاصيله الأمنية والمالية ما يمكن لاي طرف متمسك بوحدة لبنان ارضاً وشعباًومؤسسات القبول به. هذا فضلاً  عن ان  قبول جبران باسيل بترشيح سليمان فرنجية طبقاً لما يريده الحزب ويعمل عليه ما زال في اطار المناورة سواء لتحقيق مكاسب خاصة وتنظيمية او لابعاد مرشحين لهم حظوظ كبيرة في الوصول الى سدة الرئاسة وعلى رأسهم قائد الجيش العماد جوزيف عون.

ثالثاً: ان جبران باسيل لم يحصل على ما كان يريده او يطلبه من مكاسب او حصص وازنة ،مقابل السير بخيار ثنائي حركة امل وحزب الله الرئاسي ، وهي مكاسب وامتيازات تؤمن له ضمان ما كان له ولتياره خلال ولاية ميشال عون السابقة ، سواء على مستوى التمثيل الوزاري او على مستوى تعيينات الفئة الأولى ولا سيما بالنسبة لمنصب حاكم مصرف لبنان ومنصب قائد الجيش الخ. وهو ما يشير أيضاً الى تعذر اتفاقه حالياً مع المرشح سليمان فرنجية في هذا السياق خصوصاً وان الأخير له تجربة واسعة وغير مشجعة في هذا الصدد مع صهر ميشال عون .

رابعاً: ان مايقوم به جبران باسيل إزاء حركة امل ، يتوخى منه توجيه الرسائل لحزب الله . كونه مقتنع بان الحزب بحاجة الى الغطاء المسيحي الذي يؤمنه له ، وهو ما يجعله يرفع سقف ما يطرحه من شروط مقابل العودة الى تفاهم مار مخايل، الذي كانت له نتائج كبيرة ومهمة أمنت للتيار ما لم يكن قادراً على تحقيقه من دون التحالف مع حزب الله سواء على مستوى السلطة او الحكم او الإدارة او الاستحواذ على حقائب وزارية لم يكن ممكناً له الحصول عليها من دون دعمه. هذا إضافة الى انتخاب مؤسس التيار وزعيمه ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد تمسك الحزب وامينه العام السيد حسن نصرالله بانتخابه وعدم التنازل او التراجع عن ذلك حتى ضمان تحقيقه.

خامساً: ان البلاد أسيرة احتدام الانقسام المسيحي وتحديداًالماروني ، فما يوافق عليه طرف مسيحي او ماروني محكوم بما يمكن ان يرى انه يؤمن له التقدم على منافسه او منافسيه الاخرين شعبياً وتمثيلياً وحزبياً وسياسياً ، دون تغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية او الفئوية . وهذا الامر أي الخلاف المعلن لا بل الحرب السياسية والحزبية المعلنة بين حزب القوات والتيار الوطني الحر تحول الى العنوان الأبرز للمشهد السياسي السائد حالياً.

فعين جبران هي على سمير جعجع في حال أراد الاقدام على أي خطوة، لمعرفة ردة فعله وما يمكن ان يتخذه من مواقف لتثميرها ضده وضد تياره في الصراع الدائر بينهما. والامر نفسه ينطبق على رئيس حزب القوات الذي يربط أي موقف يمكن ان يتخذه بالنتائج الممكنة والتي يتوخى ان تكون لصالح حزبه وفي غير صالح التيار المنافس له أي التيار الوطني الحر.

ولذلك ، فان كل طرف وان كان يسعى لجر الطرف المنافس له الى مواقفه ، لا يتردد في نصب الكمائن والافخاخ له ودائماًوفق قاعدة استثارة العصبيات وتأمين التربع على سدة الطرف الأقوى او الأول مسيحياً.

كل ما ورد في هذا الاطار من شأنه الإضاءة ليس فقط على مصير الدعوة التي وجهها رئيس المجلس النيابي للحوار ولعقد جلسات متتالية لانتخاب رئيس للجمهورية ، بل وأيضاً على ما ينتظر تحركات ومبادرات أخرى على رأسها ما يقوم به وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان وغيره .

ولعل الأساس في كل ذلك يبقى وفقا لما يقوله مصدر واسع الاطلاع ل”الشراع” في ما فعله كل من كبير مستشاري شؤون الطاقة في البيت الأبيض آموس هوكشتاين ووزير الخارجية الإيراني حسين عبد الأمير اللهيان في زيارتهما المتزامنتين الىبيروت .

وهذا الامر لن يتأخر الوقت حتى ظهور نتائجه سواء باصطدام الدعوات للحوار بأكثر من حائط سد لها ، او بحصول حلحلة تتيح الخروج من دوامة الوضع الراهن بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية.

وحتى اشعار اخر فان لبنان  اليوم – وهذا  اقل ما يمكن ان يقال فيه وعنه – مكبل بين مطرقة الانقسامات الداخلية وسندان التجاذبات الخارجية التي لا تقتصر فقط على ما بين واشنطن وطهران من صراعات . وهو ما ينسحب حكماً على الدعوات للحوار وعلى عملية انجاز الانتخابات الرئاسية .