الشراع 28 اب 2023

انطلقت اليوم عملية التنقيب عن الغاز في حقل “قانا”، وموعد إعلان النتيجة أواخر تشرين الأوّل المقبل، ويكاد يكون قعر البحر بقعة الضوء الوحيدة للبنان القابع في قعر أزماته، ولكن ماذا لو أعاد التاريخ نفسه مع “توتال”؟
في ربيع العام 2020، جرى التنقيب عن الغاز في البلوك رقم 4، من قبل شركة “توتال” المشغّلة للإئتلاف العالمي المؤلف من “توتال” و”إيني” و”نوفاتيك”، نشرت على أثره بياناً سلبياً، كان كافياً لإحداث زلزال رحّب به بعض الداخل، وانهارت على أثره دورة التراخيص الثانية.

استراتيجية اقتناص “توتال” الفرصة المناسبة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بصناعة النفط والغاز في لبنان، كان يجب أن تكون أكثر من مُدانة من جانب لبنان الرسمي والحزبي. لبنان الرسمي لاقى الخطوة بصمت، علماً أنّه كان بمقدور وزير الطاقة في حينها أن يمنع الشركة من إصدار بيانها ولم يفعل لجهله على الأرجح بالتداعيات التي يُمكن أن يُخلّفها المضمون. وبعض لبنان الحزبي رحّب بها كمن يُطلق النار على رأسه نكايةً بقلبه.

فقد كان مُفاجئاً ومُنفّراً إعلان شركة “توتال” في حينها نتيجة البئر التي حفرتها في البلوك 4، قبل أسبوعين من انتهاء أعمال الحفر. بحسب خبراء النفط، ما قامت به توتال عُدّ سابقة. لم يسبق لشركة نفط أن أعلنت النتيجة قبل إغلاق البئر وانتظار نتيجة تحليل البيانات والعيّنات التي تمّ الاستحصال عليها. لم تكتفِ “توتال” بهذه السابقة غير البريئة، بل ذهبت إلى حدّ القول حرفياً بأنّه لم يتمّ العثور على خزانات في تكوين تمار. بلغة النفط وجود رمال تمار هو مؤشّر جازم على وجود نفط وغاز، ولكن عدم وجودها لا يعني عدم وجود نفط وغاز في المطلق. ومع ذلك آثرت “توتال” في حينها تسليط الضوء على خلو البئر الاستكشافية من تكوين تمار، وأغفلت عمداً وجود تكوين طيني قد يعني بدوره وجود نفط وغاز. بمعنى آخر، انتزعت “توتال” عمداً إحدى رئتي لبنان، من خلال إعلانها خلو البلوك 4 من رمال تمار، ليبقى التعويل على رئة واحدة في دورة التراخيص الأولى هي البلوك 9.

بحسب المعلومات المتوافرة، اكتشفت توتال “رأس زرافة” في البلوك 4 على انخفاض 3900 م، ووجدت في الرأس غازاً بسماكة 6 أمتار، في حين أنّ الكميات التجارية تكون بسماكة 12 متراً كحدّ أدنى. في علم النفط، اكتشاف “رأس زرافة” يعني حتماً وجود جسم لها. ولاكتشاف هذا الجسم، كان لا بدّ من حفر آبار أخرى في البلوك 4، ولكن العقد الموقّع مع الشركات الثلاث صاحبة الحقوق البترولية لا يوجب عليها حفر أكثر من بئر استكشافية واحدة في كلّ بلوك من البلوكين 4 و9. والسؤال المنطقي هو: إذا كان الرأس يعني حتماً وجود جسم، لماذا أقفلت “توتال” الباب في الـ 2020 على النتائج التي قد تكون إيجابية، من خلال “نعيها” البلوك 4؟

من قرأ في حينها في توقيت بيان “توتال” وبين سطوره، استشفّ لغة انتقامية، يقول خبراء النفط إنّها تصل أحياناً إلى حدّ اقتلاع أنظمة. تعمّدت الشركة الفرنسية العملاقة إصدار النتائج قبل وقتها، بالتزامن مع فتح لبنان دورة التراخيص الثانية. وطريقة إعلانها للنتيجة عكست تأكيداً بأنّ البلوك 4 خالٍ من كميات تجارية، علماً أنّ بئراً واحدة حُفرت، ونتيجة هذه البئر لا تكفي للحكم على البلوك بأكمله. أمّا الجزم بعدم وجود رمال تمار، فعنى عملياً رسالة مبطّنة لشركات النفط العالمية. ولعلّ الأسوأ هو تزامن هذه الرسالة مع الانكماش العالمي الذي كانت تواجهه صناعة النفط والغاز جراء انخفاض الأسعار عالمياً، أضف إلى انعكاسات فيروس كورونا التي أصابت الاقتصاد العالمي بمقتل.

من يلمّ بالتفاصيل الآنفة الذكر، أدرك في حينها أنّ خطوة “توتال” الاستباقية كانت مدفوعة سياسياً، وعزوف شركات النفط العالمية عن المشاركة في دورة التراخيص الثانية كان كافياً لتبيان سوء نوايا الشركة الفرنسية.
يشرح خبير نفطي على تقاطع مع أكثر من شركة عالمية، أنّ “توتال” لم تكتفِ وقتها ببيانها اللئيم، بل عمد مديرها العام إلى تأليب مدير عام شركة إكسون موبيل البريطانية كي لا تشترك شركته في دورة التراخيص الثانية.
تحريض إكسون موبيل لم يكن أوّل السيل بل آخره. إذ لم تجد “توتال” حرجاً في نشر غسيل لبنان خلال الاجتماعات الدورية لشركات النفط التي تُعقد مرة كلّ ثلاثة أشهر في إيطاليا. وهذا ساهم حتماً في “تهشيل” شركات النفط العالمية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان هدف شركة “توتال” من ذلك الاستئثار بنفط لبنان وغازه؟
الجواب بالطبع كلا.

بالنسبة لأحد أبرز خبراء النفط، مارست شركة “توتال” تصفية حساب مع لبنان. أسبابها متعدّدة بحسب الخبير، وعلى رأسها: تفضيل لبنان لشركة هندية عليها وأخرى إماراتية، قبل أن تعود وترسو “حفلة” التراخيص الأولى عليها ضمن كونسورتيوم يضمّ شركة إيطالية وثالثة روسية. يقول الخبير إنّ لبنان لم يتراجع عن تفضيل شركة التنقيب الهندية على “توتال”، إلاّ بعد وصول صورة إلى يد “حزب الله” تجمع مدير عام هذه الشركة مع بنيامين نتنياهو على الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة. بالنسبة للخبير، لم تغفر الشركة للبنان بعد محاولته إبعادها، أضف إلى أنّها لم تكن مهتمّة أساساً بالحفر في البلوك 4 وأُجبِرَت على ذلك من قبل الوزير جبران باسيل، وقد ركّزت اهتمامها منذ البداية على البلوك 9. ولكن لماذا كلّ هذا الاهتمام بالبلوك 9؟

بحسب النوايا المعلنة، حظوظ إيجاد نفط في البلوك 9 أعلى من حظوظ إيجاد نفط في البلوك 4، بحيث لم تتجاوز حظوظ البلوك 4 الـ 15 بالمئة، بينما حظوظ البلوك 9 لامست سقف الـ 30 بالمئة. ولكن بحسب الخبير النفطي “المرجلة” في استخراج النفط وليس في اكتشافه، في ظلّ محاولات تركيع لبنان اقتصادياً كي يخضع للأجندات المكتوبة بخطّ الدول الكبرى، وعملية الاستخراج من البلوك 9 ستكون الأكثر تعذراً برأيه رغم الترسيم نتيجة أطماع إسرائيل. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان استخراج النفط متعذّراً في البلوك 9، لماذا أصرّت شركة توتال على بدء عملية التنقيب فيه واستثناء البلوك 4 قبل أن تُجبَر على البدء به؟

يجيب الخبير النفطي عينه، إنّ المعطيات والبيانات الجيولوجية والبترو فيزيائية التي سيتمّ الاستحصال عليها من البئر التي يتمّ حفرها في البلوك 9 هي ثروة من المعلومات تريدها إسرائيل. وهذا الجواب يحيلنا حتماً إلى تحالف لوبي السلاح ولوبي النفط واللوبي الصهيوني والحرب المستمرّة على العالم، وهذا التحالف يفسّر ربّما حرب الشركات على لبنان، مرّة بإعلان نتائج التنقيب قبل أوانها، ومرّة ثانية بعدم الاشتراك في دورة التراخيص، ومرّة ثالثة بإهداء المعلومات ربّما لإسرائيل، وطالما أنّ التحالف مقدّس ما بين شياطين السلاح والنفط والصهيونية، فكيف للبنان أن يكون واثقاً من صحّة نتيجة التنقيب الثانية بعد تجربته مع نتيجة التنقيب الأولى، ومن سائر النتائج التي ستصدر خلال عمليات التنقيب اللاحقة؟!
تشرين لناظره قريب، ومعه نعلم ما إذا كانت حرب الشركات مستمرّة على لبنان.