كتب شاعر فلسطين الاديب الاستاذ مروان الخطيب في رحيل الاستاذ طلال سلمان /بينَ شمسطار والقُدس، ولادةٌ لا تَمُوت…!

بينَ شمسطار والقُدس، ولادةٌ لا تَمُوت…!

-إلى الصحافي والكاتب الرَّاحل طلال سلمان-

في السَّفحِ الشَّرقيِّ لجبلِ صنين،
كانت الوِلادَةُ،
مَدَىً من حَرفٍ وشمسٍ وقُدس…،
في شمسطار المُزَنَّرةِ،
بالعِتقِ والوَهج،
وبالجَبَلِ العَليِّ الشَّمُوخ،
وبأريجِ مَدينةٍ مُحَتَضَنَةٍ مِنَ التَّاريخِ والشَّمس،
كانت البِدَايةُ المُطِلَّةُ على المبنى الذي لا يتزعزع،
والمنزرعةُ في المعنى الذي يُجاري بيروتَ ألقاً وصُموداً،
وانتصاراً على الزِّئبقِ والرَّماد،
وانتصاراً سَابِعَاً،
على مَوَاويلِ الهُبوطِ إلى نعلِ المُعتَدِي الغاشمِ،
الذي حَاصرَ وقصفَ ودمَّرَ في بيروتَ،
قريباً ممَّا فعلَ نيرونُ في رُوما…!،
…، هناكَ على وقعِ الأبيضِ والأخضر،
نَمَا وترعرعَ الأحمرُ في قلبِ طلال سلمان،
وانداحَ الأفقُ غَمَاماً وأزرقَ، ويرتوي من فَلسفةِ الرُّؤيا وشَقائقِ النُّعمان،
واغتسلَ الفقرُ في بُحيرةِ الحَرفِ،
وفي الحَنينِ إلى مغادرةِ ضيقِ المَكانِ إلى انفتاح الزَّمان،
وانطلقَ القلبُ في معترَكِ الحياة،
وكأنَّهُ فُؤادُ إنكيدو الذي تأنسن بالحُبِّ،
فَسَعَى للخُلودِ مع الحرف…!.
وعَبرَ مَسِيرةٍ معَ الكلمةِ والصحافة زادتْ على الخمسين من الأعوامِ الثِّقال،
جابَ راحلُنا عالمَ المَتَاعِب،
وارتحلَ معَ سيزيفَ إلى صَخرةِ التَّحدِّي،
وأحبَّ فلسطينَ كما لو أنَّهُ ابنُ جِنين،
أو أنَّهُ ابنُ المُثَلَّثِ في أمِّ الفَحم،
والمُتماهي معَ القُدسِ صُموداً وبَسَالَةً في مواجهةِ المُحتلِّ الغاصبِ والغاشم…!.
وكانت له فلسفةٌ في الحُبِّ تتَّسِعُ لمعنى الحَياةِ،
كما كانت لهُ رؤيا في الشِّعرِ،
تنعتقُ إلى مَرَاقي الأعماقِ والأنوارِ والذَّوبان،
وهوَ القائلُ في ذاكَ وذيَّاك:
“مستحيلٌ علينا العيشُ من دون الحُبِّ المفتوحِ على مصراعيه…،
ولا حب خارج الشِّعر،
ولا شعر خارج الحُبِّ،
ولم يكتب الشِّعرَ من لم يُحب،
وأعظمُ الشُّعراءِ من أحبَّ من طرفٍ واحد»…!.
ثُمَّ يُحَلِّقُ بنا راحلُنا أبو أحمد،
فنقرأ له حولَ الكلمةِ والصحافةِ ما يُقِرُّ في قلوبِنا وأرواعِنا رساليَّةَ ما كانَ عليه، وهو القائل في ذلك:
“لا تقاعد مع الصحافة،
إنها تأخذُكَ بكليَّتِك.
لها النَّهاراتُ وسهرُ الليالي.
فإن كنت عاشقاً للكلمة، توجب عليك أن تتعبّد لها.
أن تقرأ وتقرأ وتقرأ،
وتسمعَ كثيراً وتتابعَ التفاصيلَ الكثيرةَ وتكتبَ قليلاً.
ممنوعٌ عليك أن تتعب، ممنوعة الإجازات.
إنَّ فيها من شرفِ الرِّسالة، كما من المتعة،
ما يجعلُها تستحقُّ عُمُرَك»…!.
والذي قرأ “هوامش” صاحب(السَّفير)،
يعلو به الشَّوقُ إلى أعلى المراتب،
ويكبرُ فيه الحَنِينُ إلى زمنِ النَّجَابَةِ والكَياسةِ والبلاغة،
ويستبدُّ به الشَّغفُ إلى الشِّعر والمقاماتِ العَليَّة،
وتعلو فيه الهِمَّةُ إلى رُكنِ التَّجلِّي والأنوار،
ثُمَّ يستغرقُ في تَسَامٍ نِيرفانيٍّ،
وكأنَّهُ مُعَتَّقٌ بإيحاءاتِ رابندرانات طاغور…!،
..، وبعدُ…،
نفتقدُكَ أبا أحمد،
كما افتقدنا بالأمسِ زكريا مُحَمَّد،
وكما افتقدنا قبل الأمس،
مُحَمَّد علي شمس الدِّين،
وكما افتقدنا قبل،
قبل الأمس،
محمود درويش…؛
ولن ننسى موعدَنا في عكَّا،
في يافا،
في غزَّة،
في طُولكرم،
في الخَليل،
في القُدس،
وفي كلِّ فلسطين المُحَرَّرةِ الأبيَّة…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
25/8/2023م