من بيونس أيرس الى دمشق إيلي كوهين الجاسوس الصهيوني/ كتب عبد الهادي محيسن/الشراع

الشراع 22 اب 2023

عندما وصل إيلي كوهين رجل الأعمال الى الفندق في بيونس أيرس كتب إسمه في السجل :

 كامل أمين ثابت “

المهنة : تاجر تصدير ،

وكان جواز سفره يدل على أنه سوري وشغل نفسه في الأسابيع الأولى من فترة إقامته في المدينة في إكتشاف المطاعم والمقاهي التي يؤمها أبناء بلده ، ولم يكن ذلك صعبا في الأرجنتين ففيها حوالي نصف مليون عربي ومعظمهم في بيونس أيرس .

 

بعد وصوله الى الأرجنتين اتصل كوهين بعميل يعرفه بإسم أبراهام الذي زوده بمكاتب مستأجرة وقرطاسية وتجهيزات وشقة جديدة وزوده بالمال وبقائمة بأسماء أشهر العرب المقيمين في المدينة ومنذ الليلة الأولى في المدينة أصبح إيلي شخصية شعبية في دائرة المهاجرين السوريين المقيمين في بيونس أيرس وكثيرا ما دعا الأصدقاء الى شقته حيث قدم لهم المشروبات بسخاء حاتمي .

جعلت معرفة إيلي بالشؤون العربية ضيفا يقابل بالحفاوة والترحيب في المآدب الرسمية وحفلات الكوكتيل التي تقيمها السفارة وفي أحد تلك الإجتماعات قابل الملحق العسكري في السفارة السورية العقيد أمين الحافظ وسرعان ما أولى ثقته لهذا الشاب المتحمس للقضايا العربية وقال له الحافظ في إحدى المآدب بالسفارة:

لا ينبغي أن أتحدث في الشؤون السياسية ولكني أمحضك النصح بالإيمان بمبادئ حزب البعث ، وفي نهاية هذا العام عندما تنتهي مدة عملي هنا سأعود الى دمشق فلماذا لا تنضم إلينا هناك .

في واقع الأمر أن قيادة الموساد أصدرت الأوامر الى إيلي بالإستعداد للرحيل وقد تم الحصول على التأشيرات بسرعة من القنصلية اللبنانية وقنصلية الجمهورية العربية المتحدة وفي 12 آب عشية سفره أقام أصدقاؤه حفلة وداع مفاجئة له ومضى إيلي من ميونخ الى جنوة ومن هناك أقلع كامل أمين ثابت على ظهر الباخرة الإيطالية الى بيروت .

بعد إقلاع الباخرة بوقت قصير اتصل الحديث بينه وبين رجل سوري عريض الجاه والثراء يدعى مجدي شيخ الأرض الذي ساعده بغير علم منه بأن أخذه في سيارته من الميناء وتمكن من عبور الجمارك السورية دون أدنى تفتيش ، وكان أول بند في قائمة أعمال إيلي في دمشق البحث عن مكان يأوي إليه ، وقد استقر به الأمر في شقة فسيحة بالدور الرابع من مبنى حديث في حي أبو رمانة المزدهر ، وكان هذا المكان مريحا وفاخرا والأهم من ذلك ما اتصف به المبنى من أهمية لمواجهته مقر قيادة الأركان السورية .

كان العمل الثاني في قائمة أعمال إيلي تكوين شركة إستيراد وتصدير شهدت نجاحا فور إنشائها وقد أدار إيلي العمل بكفاءة وحققت نجاحا حسنا ..

وكان إيلي إذا عاد الى شقته يخلع عنه ثياب تاجر التصدير الغني ويعود إيلي الجاسوس ، فبعد إغلاق الأبواب إغلاقا مزدوجا يتناول جهاز الإرسال المصغر الذي خبأه في قدح نحاسي للزينة في داخل ثريا بلورية كبيرة ويمضي بذلك الجهاز الى غرفة نومه حيث يكتب الرسائل ويترجمها بالشيفرة ثم يبدأ بنقرها بدقة الى تل أبيب وبين ركام هوائيات التلفزيون البسيطة على سطح شقته ركز هوائي الإرسال .

كانت تقارير إيلي تشتمل على أمور تهم رؤساؤه من أوسع نفوذا في أوساط الحكومة والعسكريين السوريين ومن بين أصدقائه الكولونيل معتز زهر الدين إبن  أخ رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين ومنهم جورج سيف المسؤول عن الإذاعة والتلفزيون والكولونيل سليم حاطوم قائد لواء المظلات الممتاز ، وقد تمكن إيلي من تسجيل إصابة هامة في لعبة التجسس مستفيدا من صلته مع الكولونيل زهر الدين حيث كانا يخوضان في مناقشة الأمور العسكرية وكثيرا ما برز موضوع علاقات الحدود بين سوريا والكيان الصهيوني وأخيرا عرض معز زهرالدين على إيلي على إشباع فضول صديقه وعرض عليه أن يصعد معه بسيارته الى مرتفعات الجولان السورية .

وفي إحدى المرات وعده سامي الجندي وزير الإعلام أن يصحبه الى مكتب رئيس الجمهورية أمين الحافظ وعندما وصل إيلي برفقة سامي الجندي حياه الرئيس الحافظ بحرارة وكان الحافظ يكن تعاطفا خاصا لإبن وطنه وصديقه في الإغتراب الذي تخلى عن عمله الناجح في أميركا الجنوبية ليمد يد العون الى بلده في فترة من فترات الإضطراب السياسي والإقتصادي

وجد إيلي نفسه بمكان يخوله بوصفه من ألمع الشخصيات التي تعقد عليها الآمال لزعامة سوريا وكان يحظى بالإحترام في أوساط رجال الأعمال وبدا مرشحا طبيعيا لأحد المناصب الحكومية وقد طرح إسمه ليخلف وزير الإعلام السوري أما الرئيس الذي ازدادت عرى الصداقة معه فقد كانت لديه فكرة وهي إعداد كامل أمين ثابت ليكون وزيرا للدفاع..

علم إيلي من صديقه الحميم سليم حاطوم الذي تناول العشاء معه أن الرئيس أمين الحافظ ورؤساء المخابرات السورية قد اتخذوا قرارا إستراتيجيا وطوروا خطة لتوجيه الجماعات المتشظية بين الناشطين الفلسطينيين لخلق منظمة للتحرير وسيتم تدريب الرجال في قواعد الجيش سرا ثم يرسلون لشن حرب عصابات ضد إسرائيل..

نظر إيلي الى ساعته التي كانت تشير الى الثامنة وأدار مفتاح جهاز الإرسال الى النقطة التي تصله منها إشارات قيادة الموساد كما اعتاد أن يفعل وفي خلال 24 ساعة من إتخاذ القرار السوري قام ساع خاص بنقل تفصيلاته الى رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدما بث إيلي هذه المعلومات الهامة..

فجأة سمع إيلي طرقا عنيفا على مدخل شقته وقبل أن يجد وقتا للتصرف تحطم خشب الباب واقتحم الغرفة رهط من ثمانية رجال مسلحين وقد أشهروا مسدساتهم وفي حين غطى إيلي جهاز البث بدون وعي ، كان رجلان يصوبان مسدسيهما الى رأسه لا تتحرك وانتهت اللعبة..

لقد اتصل إكتشاف البث بالشكاوي التي دأب رجال السفارة الهندية المجاورة على رفعها الى السلطات السورية من التسشويش على ما يبعثون به من رسائل بالراديو الى نيودلهي ، وسرعان ما تبين للسلطات السورية أن شخصا ما يبعث برسائل راديو غير مجازة في جوار السفارة الهندية.

عبد الهادي محيسن

 كاتب وباحث .

مجلة الشراع