تفاوت الأحوال والأعمال /بقلم الشيخ أسامة السيد/ الشراع
84
الشراع 13 تموز 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} سورة الزلزلة.
كم وكم تحمل كلمات هذا النص القرآنيمن معانٍ راقيةٍ وكم حوت مفرداته من فوائد بالغة،وليس كثيرًا أن يُصنف فيها كتابٌ فيا لبلاغة القرآن الكريم وروعة ما اشتمل عليه من بيانٍ وإعجازٍ. إنه حقًا كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولكن الأعمى لا يرى نور الشمس وقد عمَّ نورها الدنيا.وبالنظر في معنى أواخر سورة الزلزلة نجد بيانًا عظيمًا إلا أننا نقدم قبل هذا البيان بعض ما جاء في بلاغة الآية.فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها وسمَّاها: “الآية الفاذَّة الجامعة” قال الحافظ ابن حجر في “الفتح”: “سمَّاها جامعةً لشُمُولها لجميع الأنواع من طاعةٍ ومعصيةٍ وسمَّاها فاذَّةً لانفرادها في معناها”. والفذُّ في اللغة الفرد وقد جمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات. ومثقال الشىء زِنَتُه، فمن يعمل مثقال ذرةٍ أي زنة نملةٍ صغيرةٍ من الخير أو من الشر يرى جزاءه في الآخرة.
وقال النووي في “شرح صحيح مسلم” “معنى الفاذَّة القليلة النظير والجامعة أي العامة المتناولة لكل خيرٍ ومعروفٍ”فإن اسم الخير شامل لجميع أنواع الطَّاعات فرائضها ونوافلها.
وفي “تفسير القرطبي“ أن عبد الله بن مسعودٍ قال: “هي أحكم آيةٍ في القرآن”.وسأتناول في هذا المقال أربع فوائد تُستنبط من هاتين الآيتين.
فوائد مهمة
الفائدة الأولى:قد دلَّ النص على أن أحوال الناس يوم القيامة تتفاوت فليس كل المؤمنين في مقامٍ واحدٍ ولا درجةٍ واحدةٍ في الجنة، وإنما تختلف أحوالهم باختلاف أعمالهم إذ هي درجاتٌ بعضها فوق بعضٍ فكلما كان العبد لربه أتقى كانت منزلته أرقى،فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض” رواه البخاري. فليست درجات عوامِّ المؤمنين كدرجات الشهداء والأولياء، وليست درجات العصاة، الذين لم يصلوا إلى حد الكفر سواءً عُذِّبوا ثم أدخلهم الله الجنة أم سامحهم الله فأدخلهم الجنة دون عذابٍ، كدرجات الأتقياء.
وبالمقابل فإن أحوال أهل النار تتفاوت في الدركات التي جعل الله بعضها تحت بعضٍ فلو أن كافرًا مثلًا كان يمنع الناس من الإيمان أو يقتل ويفتك بالناس ظلمًا وكافرًا آخر كفر بنفسه ولم يمنع الناس من الإيمان ولم يتعرَّض لهم بظلمٍفكلاهما خالدٌ مخلَّدٌ في جهنم ولكنَّ عذاب الأول أشد. قال الله تعالى:{وكنتمأزواجًا ثلاثة فأصحاب الميمنة ماأصحاب الميمنة وأصحاب المشئمةِ ما أصحاب المشئمةِ والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} سورة الواقعة.قال السيوطي في “الدر المنثور” “عن قتادة: وكنتم أزواجًا ثلاثةً قال: منازل الناس يوم القيامة”.
الفائدة الثانية:دلَّ النصُّ على أن من قصَّر في أداء الواجبات واجتنابالمحرَّمات فإنه مهما أكثر من نوافل الأعمال كالذكر والصدقة وإطعام الطعام فإنه لا يستوي في الفضل مع التقي أي الذي أدى الواجبات واجتنب المحرَّمات،فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تعالى:”وما تقرَّب إليَّ عبدي بشىءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه” رواه البخاري. والمعنى ما طلب عبدٌ القربة والثواب من الله بعملٍ هو أحب إلى الله من تأدية الفرض وقد جاء في “الفتح” للحافظ ابن حجرٍ نقلًا عن بعض الأكابر من أهل العلم:”من شغله النفل عن الفرض فهو مغرور ومن شغله الفرض عن النفل فهو معذور”.
الفائدة الثالثة:إذا عُلم أن الأحوال تتفاوت بتفاوت الأعمال وأنه كلما كان العبد لربه أطوع كان أعلى قدرًا دلَّ هذا على أنه لا بد من تأويل بعض النصوص كحديث “وإذا قرأتَ قل هو الله أحد مرةً فكأنما قرأتَ ثلث القرآن،وإذا قرأتَ قل هو الله أحدٌ مرتين فكأنما قرأت ثلثي القرآن، وإذا قرأتَ قل هو الله أحدٌ ثلاث مرات فكأنما قرأت القرآن كله” رواه الطبراني. فإن معناه له أجرٌ يشبهه من بعض الوجوه ليس مثله تمامًا. وحديث:” من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره” رواه الترمذي، فإن معناه أيضًا له أجرٌ يشبهه فالمثلية في الحديث من بعض الوجوه لا جميعها إذ لو أعددتَ لصائمٍ ما يُفطر عليه عند الغروب لك أجر هذا العمل المندرج في النوافل والمستحبات، وثواب ذلك لا يساوي ثواب من صام الفرض تمامًا،وعلى الجملة فإن ثواب الفرض أكبر من ثواب النفل حيث جاء في الشرع أن ثواب الفرض أعظم فالحذر من اعتقاد خلافه فإن نصوص الشرع تتعاضد ولا تتناقض وما كان من النصوص من نحو ما ذكرناه من الحديث فإنه يُؤول بنحو ما بيناه.
الفائدة الرابعةوالأخيرة:دلَّ النصُّ على إثبات الثواب يوم القيامة لمن عمل صالحًا وهو الجزاء الذي يُجازاه العبد مما يسُرُّه ذلك اليوم من دخول الجنة وما يلقاه من النعيم، وإثبات العقاب وهو الجزاء الذي يُجازاهالعبد مما يسوؤه ذلك اليوم من دخول النار وما يلقاه من العقوبات ذلك اليوم، فيجب الإيمان بوجود الجنة والنار. وقد قال تعالى عن الجنة:{وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضُها السموات والأرض أعدت للمتقين} سورة آل عمران. ومعنى “أعدت“ خُلقت وهُيِّئت. وقال عن جهنم:{واتقوا النار التي أعدت للكافرين} سورة آل عمران، أي خُلقت وهُيِّئت.
قال الحافظ السيوطي في “الإكليل”: “وفي الآيتين (أي أول المقال) الترغيب بقليل الخير وكثيره والتحذير من قليل الشر وكثيره”.وقال الإمام مالكٌ في “الموطأ”:“بلغني أن مسكينًا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنبٌ فقالت لإنسانٍ: خذ حبةً فأعطه إيَّاها. فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت عائشة: أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرةٍ”.
قلت: فمن أيقن بالجزاء فلينظر ماذا يُقدِّم فلقد قيل:
ولو أنَّا إذا متنا تُركنا لكان الموت راحةَ كل حيِّ